كتاب وشعراء

لا تصالح….بقلم بدوي الدقادوسي

كأنها تمثال روماني ، وجه برونزي وخصر كخط وهمي يربط بين الصدر وجغرافيا المؤخرة ، وحيدة لأب جعلت البلهاريسيا من جسده عصفا مأكولا ؛ فتولت مهامه في الحقل ومهام أمها المشغولة بخدمة الزوج الميت الحي . تقدم لها الكثيرون ولكنها اختارت من دق له قلبها ، لم تنتقل معه لعش الزوجية بل عاش معها في بيت أبيها الصغير لترعى أمها بعد وفاة أبيها . لم تغيّر عاداتها في صباح ليلة زفافها .خرجت مع خيوط الصباح لتجمع حبات الباذنجان والبامية وأعواد الملوخية لتبيعها بسوق القرية .
حين جاءها المخاض كانت بالحقل ولم تعد للبيت إلا وهي تحمل مولودها .
في تلك الليلة توسلت لزوجها ألا يصطحب ابنهما لحضور الليلة الكبيرة لسيدي عبد الله بن الحارث ؛ استجاب زوجها لرغبتها على مضض . لم تمض سويعة إلا وسمعت صراخ وكر وفر ؛ انقبض قلبها ؛ ركضت في اتجاه الجمع لتجد المكروه قد وقع ؛ فقد سقط زوجها برصاصة طائشة أثناء شجار عنيف بين ابن عائلة كبيرة وأخرى أكبر على من يصعد على المنصة أولا لمراقصة ” الغزية ” . قيد الحادث ضد مجهول ؛ رفضت أن تتلقى العزاء في فقيدها ؛ لم يثنها البرق والرعد والمطر عن الخروج لري أرضها ؛ خلت الحقول من أصحابها وحدها تقف مشمرة ثوبها عن ساقها وهي تروي أعواد الفول المثمرة . حين وقع بصر الذئب عليها جن جنونه ؛ زحف على بطنه حابسا أنفاسه حتى وصل إليها شاهرا سلاحا أبيض في وجهها ؛ أدركت أن صراخها سيذهب أدراج الريح والمقاومة جنون ؛ تركت يده تعبث في صدرها والأخرى تضمها ؛ حين وجدها تزداد التصاقا به تلاحقت أنفاسه ؛ مدت يدها بين فخذيه ؛ أحكمت قبضتها على خصيته ؛ أعياه الألم سقط على الأرض فأخذت تفكركها بين السبابة والإبهام حتى صارت قطعة من جمر بين فكيّ كماشة في يد صاحب مقهى كل زبائنه بلطجية لا هو قادر على طلب حساب المشروبات منهم ولا هو قادر على الامتناع عن تقديم الطلبات لهم، ظل يصرخ وهو شبه فاقد الوعي ؛ ركلته بقدمها ؛ بصقت عليه ؛ أوقفت ماكينة الري بعد أن تأكدت أن أرضها قد ارتوت . قبيل الفجر صنعت الزبدة وقطعتها قطعا صغيرة ملأت بها ” الطسطية ” ؛ وصلت السوق بصحبة خيوط الفجر وما إن وضعت زبدتها عن رأسها حتى داهمتها
سيارة الشرطة وبها مفتش الصحة ؛ ضرب يده في قطع الزبدة التفت صوبها قائلا : الزبدة دي غير مطابقة للمواصفات . أشار للعسكري أن يحملها وجريمتها لعمل محضر لها بالقسم ، التفتت حولها “بالبوكس” لم تجد أحدا فألقت” بالطسطية ” في الأرض . والعسكري يصرخ : ماذا فعلتِ يا بنة اللئيمة؟ بعد ساعات بالحجز قادها الشرطي لعمل محضر لها ؛ حين مثلت أمام الضابط سألها ما اسمك ؟ – جوهرة – ما تهمتك؟ – قالت باكية : والله ما أعرف كنت بطريقي للسوق عاكسني هذا العسكري فسببته فأراد الانتقام مني وأركبني ” البوكس ” أخلى الضابط سبيلها بعد أن عنف العسكري . الذي كاد أن يجن فاستدارت نحوه تخرج له لسانها وتضحك . أدركت بفطنتها أن ابنها لن يحقق حلمها في الدراسة فاختصرت الطريق وألحقته بجزار قريب منهم ليعمل معه .
صار جزارا له زبائنه ؛ كثرت رحلاته خارج القرية ليشتري المواشي ؛ تربص به الأشقياء أخرج سلاحه أطلق أعيرة نارية في الهواء فلاذوا بالفرار . فور وصوله البيت كانت سيارات الشرطة تحاصره ؛ قلبوا البيت رأسا على عقب ؛ أقسمت بينها وبين نفسها أن تجعلهم سخرية البلدة ، تقدمت نحو قائد الحملة قالت في براءة سيدة أمية : عمن تبحثون؟ جاءنا بلاغ أن بحوزة ابنك سلاحا ” ميريا ” مسروقا ، فقالت لقد رأيته أمس يحفر في الزريبة ؛ على الفور صدرت الأوامر بفحت الزريبة وإخراج روث البهائم خارجها ، لم يعثروا على شيء وانصرفوا وهي تودعهم بنظرة ساخرة ، في الصباح كانت القرية تتحاكى عن جوهرة التي جعلت الحكومة بجلالة قدرها تفحت لها الزريبة وتشيل روث بهائمها على رأسها . انتزعت البسمة من فم زمان عابس في وجهها واشترت أرضا تبني عليها بيتا بالمسلح ملحق به زريبة واسعة ليكون ابنها أكبر جزار بالقرية . كلما ارتفعت الجدران مترا شعرت أنها تناطح السماء ؛ ذات صباح استيقظت على أصوات ألات ولودر ضخم تصحبه حملة من قسم الشرطة تحيط بالبيت .
قامت مذعورة سألت الضابط عما يحدث قال بلهجة حادة : البيت صدر له أمر إزالة انتو بنتوه بدون ترخيص على الأرض الزراعية ولم تستجيبوا للتصالح وأشار لقائد اللودر أن يبدأ الهدم . ارتمت صارخة أمام اللودر، عجز عن التقدم نحو البيت، تقدم الضابط نحوها ركلها بقدمه لتفسح الطريق ، وقفت منتصبة استجمعت كل قوتها دفعته بكلتا يديها في صدره وقع على ظهره استشاط وجن أخرج سلاحه الميري صوب طلقة سكنت كتفها سقطت مدرجة في دمائها و رجال ونساء البلدة يتابعون من بعيد ! قدم ابنها مهرولا راعه المشهد حمل رأسها بين يديه وهو يبكي أفاقت، نظرت نحوه صفعته على خده قائلة بصعوبة : ما أنفقت عمري عليك لتبكي كما النساء ، انهض ودافع عن بيتك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى