
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢، وماأعقبه من تكوين جيش حليف لها هو ” جيش لبنان الجنوبي ” لضمان أمن حدودها الشمالية، تكون حزب الله، بمبادرة من القيادة الايرانية والامام الخميني ورجال الدين الشيعة في لبنان، وكان هدفه تحرير الجنوب البناني ومواجهة إسرائيل والعمل كحركة مقاومة وذراع لإيران التي تولت تمويله وتدريبه وإستخدامه في إطار سياستها المناهضة لأمريكا وإسرائيل ( الشيطان الاكبر والاصغر ) وتصدير الثورة الايرانية، وخلق أذرع إقليمية تدعمها في تنفيذ سياساتها
نما الحزب بسرعة، وتجاوز في القوة حركة أمل التي كانت تمثل الشيعة وصار هو الممثل الاهم لها، كما إلتفت حوله شرائح يسارية في لبنان وخارجها، في حين توجست منه طوائف وتيارات مسيحية وإسلامية وإعتبرته دولة داخل الدولة وبديلا وعائقا أمام تكون جيش وطني لبناني، وذريعة تستخدمها إسرائيل لتكرار العدوان علي لبنان ..
قاد عباس الموسوي الحزب حتي عام ١٩٩٢، وتلاه حسن نصر حتي رحيله عام ٢٠٢٤، وقاد الحزب حرب عصابات كبد فيها اسرائيل وجيش لبنان الجنوبي خسائر فادحة ماأدي لانسحاب اسرائيل من الجنوب عام ٢٠٠٠ وتقويض وتفكك وتبخر جيش لبنان الجنوبي، كما خاض الحزب حربا طاحنة مع اسرائيل عام ٢٠٠٦ كبدها فيها خسائر فادحة وخرج منتصرا ليصبح حسن نصر الله أحد أهم الشخصيات السياسية وأكثرها شعبية في المنطقة
تورط الحزب في الحرب الاهلية السورية التي اندلعت عقب القمع الذي واجهت به السلطة الحراك الشعبي الذي انطلق من درعا، وإصطف الحزب مع النظام السوري ورئيسه بشار الاسد ضد ماإعتبره ” دسيسة صهيونية وهابية ” ضد سوريا، وقد أدي هذا التورط في الحرب الاهلية السورية وماذخرت به من فظاعات ومذابح لفقدان الحزب ورئيسه قدرا كبيرا من صورتهما الايجابية كحركة مقاومة وشخصية نضالية، بل إعتبرت عديد الدول والمنظمات حزب الله تنظيما إرهابيا، كما أدي هذا التورط في المستنقع السوري لإنكشاف الحزب وإختراقه مخابراتيا بصورة أدت لاحقا للإضرار به بقوة وتمكين إسرائيل من توجيه ضربة مؤثرة له من خلال ” تفجيرات البيجر ” الشهيرة وصولا لاستهداف وتصفية العشرات من قادته وعلي رأسهم حسن نصر الله وتوجيه ضربات مؤثرة طالت وحجمت قدراته الصاروخية عقابا علي دعمه للمقاومة الفلسطينية بعد الطوفان والهجوم والغزو الاسرائيلي لقطاع غزة
وفي الوقت الذي تصور الكثيرون أن الحزب خرج خاسرا من المعركة، إذا به فور اندلاع الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران في ٢٨ فبراير الماضي يجدد قصفه وإستهدافه لشمال اسرائيل، وازعاجه الكبير للجيش الاسرائيلي، الذي قام بعدوان كبير شمل معظم مناطق لبنان واسفر عن مقتل وجرح عدة الاف وتهجير مايزيد عن مليون لبناني من مناطق سكناهم، وهو عدوان استنكرته غالبية دول العالم، وواجهه مقاتلو الحزب وأوقعوا بالجيش الاسرائيلي خسائر كبيرة، وأثبتوا أن الحزب مازال قوة يحسب حسابها، وقد أصرت إيران علي شمول اتفاق وقف اطلاق النار بينها وبين امريكا وقفا للعدوان الاسرائيلي علي لبنان وهو ماتم بالفعل،
أثمرت جهود وضغوط أمريكية لقاءات ومفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل لأول مرة، من أجل التوصل لتسوية الخلافات بينهما، في حين ربط حزب الله إستمراره في المقاومة بإنسحاب إسرائيل الكامل من كل الاراضي اللبنانية، وعودة الاسري، واعادة المهجرين والنازحين لقراهم ومناطقهم
الأمر إذن معقد وملتبس فيما يخص الحزب، وهل هو حركة مقاومة مشروعة أم تنظيم خارج عن سلطة الدولة ومهددا لمبدأ إحتكارها للسلاح، وهل هو رادع للعدوان الاسرائيلي أم ذريعة وسبب لتكرار هذا العدوان ومعاناة لبنان بسببه
والأصل والأساس برأينا هو وجود الكيان الصهيوني بممارساته وعقيدته العدوانية الاستيطانية التوسعية، وإيمان نيتنياهو وغالبية النخبه السياسية بأحلام إسرائيل الكبري، ورفضهم للاقرار بأي حقوق للشعب الفلسطيني، وحرصهم علي ضرب كل مصادر القوة في المنطقة وضمان أن تبقي إسرائيل منفردة أقوي بمراحل من كافة الدول والتنظيمات بالمنطقة مجتمعة، ورؤيتها لإيران والتنظيمات التابعة والداعمة لها بإعتبارها التهديد الاكبر والاخطر علي إسرائيل، كل هذا يشكل البيئة المثالية والحاضنة الطبيعية لنشأة ونمو التنظيمات الجهادية وحركات المقاومة والتي تصبح بلاشك نتيجة طبيعية ومشروعة للاحتلال وسببا غير مباشر في ازدياد معاناة شعوب المنطقة نتيجة إستهداف القوة الغاشمة الصهيونية للمدنيين والبنية الاساسية كوسيلة للضغط وأداة في حربها ضد هذه التنظيمات !