كتاب وشعراء

قراءة الناقد التونسي فتحي بوصيدة للقصة القصيرة جداً “مخاتلة” بقلم الكاتبة شهرة بوذيبة

قصة “مخاتلة”
بقلم الكاتبة: شهرة بوذيبة

ذاع صيته، حبسوه في قفص رغباتهم ذكّرهم بحادثة الصواع.. أنهى الجدال صوت؛ لا تقصص رؤياك.. جنحت سفن النوايا
“لو كان الفقر رجلاً لقتلته…!”.

قراءة تحليلية للقصة بقلم الناقد فتحي بوصيدة

-العنوان : “مخاتلة” جاء في صيغة مصدر نكرة على وزن مفاعلة بمعنى الخداع والمناورة، ما يمنحنا انطباعاً حول الصراع والمواجهة بشكل خفي بين طرفين أو أكثر، وقد يحيل إلى اللا مادي، أي إلى مواجهات فكرية متضادّة أو إلى متضادات أخرى كالحقيقة والوهم أو الرؤيا والواقع.
عموماً العنوان نجح في تحقيق عنصر التشويق فقد ضمنت الكاتبة شدّ انتباه القارئ إلى مواصلة اكتشاف أفكار النص.
عبارة “ذاع صيته” تُظهر المفتاح للنصّ القصصي في شكل إشارة متخفَّية للشخصية الرئيسة للقصة..
هذه الشخصية التي منحها الفعل (ذاع) المقترن بالصيت وهو الحسن في الشّخص الذي يصل إلى الناس، ومن المفترض هنا أنَّ مَن نال الاستحسان بين الناس سيلاقي القبول والرفعة والمكانة الجيدة؛ لكن النتيجة تأتي عكس ما نتوقّع في الجملة الموالية “حبسوه في قفص رغباتهم” فكانت الشخصية هدفاً للآخرين… وهنا نجحت الكاتبة في البناء السردي للقصة، إذ تصاعدت الأحداث لتصل إلى العقدة.. ويحسب للكاتبة أسلوبها في جعل القارئ عنصراً يتفاعل مع الشخصية بل ربّما تعاطف معها، فالقارئ دائماً يقف في صفّ المظلوم…
والسؤال: كيف يكون الحاصل عكس الطّرح، هذه الشهرة كانت نتيجتها القفص وهو الترميز إلى السّجن فلماذا هذه النتيجة؟ ربّما كانت بسبب توقعات أو مطالب الآخرين (المجتمع، السلطة، ….) حيث تزيد رمزية القفص لتصل إلى القمع أو التحكّم.

تأتي مرحلة الصراع في النصّ من خلال ردّة فعل الشخصية الرئيسة إذ تقوم بتذكيرهم بحادثة الصواع
وهو ما قد يشير إلى العقاب الإلهي أو الضربة القاضية أو إلى قصة تاريخية/دينية (صواع الملك في قصة النبي يوسف عليه السلام). هذا التذكير يُظهر الاتهام الباطل والعواقب…
ويتأكَّد حضور المثال بشكل واضح حين نتقدّم في قراءة النصّ إلى ما أنهى الجدال “صوت ؛ لا تقصص رؤياك..”
لا تقصص رؤياك: إشارة إلى قمع الحقيقة أو منع التعبير عن الرؤى (الفكرية… أو الاحتجاجية..). وهو أمر النبي يعقوب ليوسف بعدم قصّ رؤياه على إخوته، ما يُعزِّز فكرة الخوف من الحقيقة أو قمعها.

نتيجة الصراع
نأتي الآن إلى نتيجة الصراع، وقد بدأت تتضح معالمه عندما أبدعت الكاتبة في حبكته، ويتركَّز في الجملة “جنحت سفن النوايا”.
في مستهل جملة النتيجة فعل “جنحت” ما يعني انحرفت أو فشلت في الوصول لهدفها.
هذا الانحراف بالنوايا المتصلة بعبارة السفن الرامزة إلى المحاولات المتعدّدة للتغيير أو للإصلاح التي باءت بالفشل بسبب عوائق خارجية (مثل رغبات الآخرين أو القمع).
ليقفل النص بالمقولة المشهورة لعلي بن أبي طالب: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته…!”
تعبِّر عن اليأس والغضب من الفقر كعدو مجسّد.
هنا، تُختتم القصة بهذه العبارة لتعكس إحباط الشخصية من الواقع الفكري، والمادّي والاجتماعي الذي يعيش فيه، وكأنها تحاول قتل الفقر لكن هذا الفقر غير ملموس.
الثيمات الرئيسية: ثيمات تستوحيها الكاتبة من الموروث الديني الذي يختزل الصراعات العديدة..
هذه الصراعات المتنوعة بين الفرد والذات بين الفرد والآخر بين الفرد والمجموعة بين المجموعة والمجموعة، ويبقى عدم تكافئ الجهات المتصارعة هي المحدّدة للنتائج…

الأسلوب والرموز:
اللغة المجازية: مثل “قفص رغباتهم”، “سفن النوايا”، والتي تضيف عمق الدلالات المتنوّعة.

الإيجاز المكثف: كل جملة تحمل تأويلات متنوعة، وبالتالي تضمن القراءات المختلفة، ما يوحي بثراء النص ونجاحه.

التلميحات الدينية/التاريخية: كـ”الصواع” و”لا تقصص رؤياك” يربط النص بسياق ثقافي ديني، ويشير إلى بيئة الكاتبة وتكوينها وتأثّرها بالمعتقد.

تأويل محتمل:
القصة قد تعكس مصير المثقف أو المصلح في مجتمع يقمع الحقيقة ويُكبِّل أحلام التغيير.
الشخصية التي تحاول مواجهة الواقع (بالرؤى أو التحذيرات) تُسجن وتُسكت،
وتفشل نواياها الطيبة، لتنتهي باليأس من واقع لا يُغيّر (كالفقر).
القراءة التحليلية تبقى مفتوحة لتأويلات أخرى، خاصة مع استخدام الرموز الغنية المحتملة لأكثر من معنى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى