
كتب:هاني الكنيسي
لم تكن نتائج جائزة بوليتزر Pulitzer Prize لعام 2026 مجرد احتفاءٍ مهني بأفضل ما أُنجز صحفيًا، بل بدت أقرب إلى بيان “إدانة” لعالمٍ يزداد فسادًا وإجرامًا؛ عالم توثق ملامحه القاسية صور الدمار والإبادة والمجاعة في غزة وتفضحه تحقيقات استقصائية تعرّى فساد أركان سلطة ترمب وتواطؤ شبكات النفوذ في ارتكاب الانتهاكات والجرائم من البيت الأبيض في واشنطن إلى وادي السيليكون في سان فرانسيسكو.
منذ تأسيسها عام 1917 بوصية الناشر المعروف ‘جوزيف بوليتزر’، رسّخت الجائزة – التي تدير مسابقاتها حاليًا جامعة كولومبيا- مكانتها بوصفها “أوسكار الصحافة”. لكن دورة هذا العام بدت استثنائية من حيث الانحياز إلى ما يمكن تسميته “صحافة الشهادة”، حيث لا تكتفي المادة الصحفية بالسرد، بل تتحول إلى وثيقة إدانة أخلاقية.
في قلب هذا المشهد، برز اسم المصور الفلسطيني ساهر الغرّة، المتعاون مع صحيفة ‘نيويورك تايمز’، والذي حصد جائزة التصوير للأخبار العاجلة.
الصور التي قدّمها الشاب الغزّي (النازح) لم تكن مجرد لقطات لآثار حرب غاشمة؛ بل سلسلة توثيقية مُكثفة من قلب الكارثة الإنسانية في قطاع غزة وشواهد الجرائم التي تضافرت في ارتكابها آلة الإبادة الإسرائيلية مع تواطؤ ما يُسمّى مجازًا المجتمع الدولي. أمهاتٌ يحتضنّ أطفالا محى الجوع ملامحهم وأنهك الإعياء أجسادهم النحيلة، وركام بيوت ينضح برائحة الموت, وأب يحمل طفله المسجّى بالدماء. وصفت لجنة التحكيم مجموعة أعمال ساهر بأنها “مؤثرة وحساسة”، لكن الحقيقة أن وقعها على أي عين “بشرية” يتجاوز ذلك الوصف بكثير (مرفق أدناه عدد من تلك الصور).
وكذلك حمل فوز الشاعر والكاتب الفلسطيني مصعب أبو طه بجائزة التعليق الصحفي عن مقالاته في نيويوركر دلالة واضحة على قيمة “أسلوب الكتابة” حين يتحوّل السرد إلى رسم بريشة التعبير المبدع عن أصعب المشاعر الإنسانية. لم تكن نصوصه تقارير أو تحليلات، بل شهادات عيان توثق “المجازر الجسدية والنفسية” بلغة أقرب إلى المذكرات، حيث تختلط الذاكرة الشخصية بالتاريخ الحي.
وليس بعيدًا عن جرائم غزة، سلّطت ‘بوليتزر’ الضوء على “عفن” إدارة دونالد ترمب، عندما منحت صحيفة ‘واشنطن بوست’ جائزة الخدمة العامة عن تغطيتها لما وصفته بـ“الفوضى العارمة” التي سببتها إدارة البرتقالي في إعادة هيكلة الوكالات الفيدرالية. وفي الاتجاه ذاته، حصدت ‘نيويورك تايمز’ جائزة الصحافة الاستقصائية عن كشفها كيف استُخدمت السلطة (في دائرة ترمب) لتحقيق مكاسب مالية شخصية.
أما وكالة رويترز، فقد اقتنصت جائزتين بارزتين، إحداهما عن تحقيق في “توسّع صلاحيات الرئيس” واستخدامها ضد الخصوم السياسيين، فيما يشبه توثيقًا لظاهرة “الانتقام السياسي” التي ارتبطت بتوجيهات من سيد البيت الأبيض (المختل نفسيًا)، والثانية عن كشف ممارسات غير أخلاقية داخل منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها شركة ‘ميتا’ (مالكة فيسبوك وإنستغرام)، التي أدينت بتعريض المستخدمين—بمن فيهم الأطفال—لاحتيال وتلاعب مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وفي سياق توثيق فساد النخبة الأمريكية، لم يكن بإمكان ‘بولتيتزر’ تجاهل ملفات الملياردير المنحرف ‘جيفري إبستين’ (رفيق ترمب وصديق زوجته ميلانيا قبل أن تصبح السيدة الأولى بسنوات)، مع تنويه خاص لدور الصحافية ‘جولي ك. براون’ (من جريدة ‘ميامي هيرالد’)، التي لعبت تقاريرها منذ 2017 دورًا محوريًا في فضح شبكة الاستغلال الجنسي للقاصرات، وتعرية نظام قانوني فاسد وبيئة اجتماعية منافقة غضت الطرف عن تلك الانتهاكات لسنوات.
ولم تغب التكنولوجيا عن قائمة الإدانة؛ إذ فازت وكالة ‘أسوشيتد برس’ بجائزة التغطية الدولية عن تحقيقها بشأن “تقنيات المراقبة المتقدمة”، بدايةً من نشأتها في وادي السيليكون الأمريكي وتطويرها في معامل الصين، وصولًا إلى تطبيقاتها “المشبوهة”، وتحديداً استخدامها من قبل دوريات الحدود الأمريكية.
ما يجمع بين معظم الأعمال التي فازت بجوائز ‘بوليتزر’ هذا العام، ليس فقط جودتها المهنية، بل قدرتها على كشف البنية العميقة للقوة الفاسدة القاسية في عالم اليوم .. بدءا من مجازر غزة ومجاعات أطفالها، ومرورًا بفساد سلطة القرار في واشنطن وشبكات النفوذ الإجرامية، وليس انتهاءً بجرائم الخوارزميات في الفضاء الرقمي ومنصات السوشيال ميديا. عرض أقل