رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :بين “إطلاق اليد” و”فرض الحضور”: كيف تغيّر موقع إيران في الشرق الأوسط؟

في كل مرة تهتز فيها توازنات الشرق الأوسط، يظهر الميل نفسه إلى التبسيط:
إما أن طرفًا “انتصر بالكامل”، أو أن الطرف الآخر “انهار بالكامل”. لكن المنطقة، تاريخيًا، لا تعمل بهذه الطريقة. التحولات الكبرى فيها لا تأتي عبر لحظة حسم نهائي، بل عبر تراكم بطيء يعيد تعريف حدود القوة وحدود استخدامها.
ولهذا أعتقد أن السؤال المطروح اليوم بشكل خاطئ هو:
“هل أطلقت أمريكا وإسرائيل يد إيران في الإقليم؟”
بينما السؤال الأصح استراتيجيًا هو:
هل أصبحت كلفة منع إيران من فرض حضورها الإقليمي أعلى من السابق؟
وهنا يبدأ الفارق الحقيقي.
ما جرى بعد حروب ما بعد 2025 لا يشير إلى “تفويض” لإيران بقدر ما يشير إلى انكشاف حدود القدرة على إخراجها من المعادلة بالقوة أو بالعزل السياسي وحده. وهذا تطور مختلف تمامًا عن فكرة “الهيمنة الإيرانية” التي يتعامل معها البعض بخفة تحليلية أو بدافع دعائي.
إيران لم تصبح القوة المطلقة في المنطقة، لكنها نجحت في شيء أكثر أهمية:
تحويل نفسها من “مشكلة قابلة للاحتواء” إلى “حقيقة استراتيجية مكلفة التجاهل”.
وهذا التحول لم يأتِ من تفوق عسكري تقليدي، بل من فهم مختلف لطبيعة الصراع نفسه.
طوال عقود، اعتمدت العقيدة الأمنية الأمريكية والإسرائيلية على فرضية مركزية:
أن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيل بتحويل القوة إلى ردع مستقر، ثم إلى نظام إقليمي قابل للإدارة. لكن الحروب الأخيرة أظهرت أن هذا النموذج لم يعد يعمل بنفس الكفاءة القديمة.
فالقوة ما زالت موجودة، وربما ما زالت ساحقة تقنيًا، لكن قدرتها على إنتاج “يقين سياسي” تراجعت بوضوح. وهنا تحديدًا ظهرت إيران كلاعب يفهم منطق الاستنزاف أكثر من منطق الحسم.
ما فعلته طهران لم يكن “هزيمة” أمريكا أو إسرائيل بالمعنى الكلاسيكي، بل تعطيل قدرتهما على الوصول إلى نهاية واضحة للصراع. وهذا فارق بالغ الأهمية في بيئة الشرق الأوسط الحالية، حيث لم تعد المشكلة الأساسية هي القدرة على الضرب، بل القدرة على تحويل الضربات إلى استقرار سياسي طويل الأمد.
لهذا يبدو المشهد الحالي مرتبكًا للبعض.
إسرائيل ما زالت تمتلك تفوقًا نوعيًا هائلًا.
والولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الأكبر عالميًا.
لكن في المقابل، لم تعد البيئة الإقليمية تسمح بتحويل هذا التفوق إلى “إملاء نهائي” كما كان يُتصور سابقًا.
وهنا تظهر النقطة الجيوسياسية الأخطر.
المنطقة اليوم لا تتحرك نحو “شرق أوسط إيراني”، كما يروّج البعض، لكنها أيضًا لم تعد تعيش بالكامل داخل “الشرق الأوسط الأمريكي” الذي تكرّس بعد الحرب الباردة.
نحن أمام مرحلة انتقالية تتآكل فيها قدرة القطب الواحد على فرض قواعد مستقرة، بينما لم يتشكل النظام البديل بالكامل بعد. ولهذا تتزايد المساحات الرمادية:
تفاهمات مؤقتة، ردع متبادل، صدامات منخفضة الحدة، وتحالفات مرنة أكثر من كونها ثابتة.
وفي هذا الفراغ النسبي، استطاعت إيران أن تفرض حضورها لا لأنها الأقوى مطلقًا، بل لأنها أصبحت الطرف الأكثر قدرة على تحمّل بيئة الاستنزاف الطويل.
وهذا ما لم تدركه كثير من النخب العربية مبكرًا.
فالنظر إلى الصراع بمنطق:
“من يملك سلاحًا أكثر؟”
أصبح أقل أهمية من سؤال آخر:
“من يستطيع البقاء والتكيّف عندما تنهار قواعد اللعبة القديمة؟”
ولهذا لا أعتقد أن الحديث عن “إطلاق يد إيران” دقيق. لأن هذه الصيغة توحي بوجود قرار دولي أو تفاهم سري يمنحها حرية الحركة، بينما ما يحدث فعليًا أقرب إلى نتيجة فرضتها تحولات القوة نفسها.
إيران لم تُمنح حضورها… بل انتزعته من خلال قدرتها على جعل تكلفة استبعادها أعلى من قدرة خصومها على تحمّل نتائج ذلك الاستبعاد.
لكن الخطأ المقابل أيضًا هو الاعتقاد أن هذا التحول نهائي أو غير قابل للتغيير.
فالشرق الأوسط يعيش اليوم لحظة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، وما يبدو ثابتًا الآن قد يتغير خلال سنوات قليلة. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المنطقة مجددًا هو تحويل اللحظة الحالية إلى “حقيقة نهائية” جديدة.
وهنا تحديدًا يعود الدرس الأهم:
المشكلة في الشرق الأوسط ليست فقط في الصراعات…
بل في الطريقة التي نقرأ بها نتائجها، ثم نبني على تلك القراءة يقينًا قد يتحول لاحقًا إلى كمين جديد من كمائن الحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى