رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :الخليج والبحر الأحمر بين فكي “الاستنزاف” والمناورة الكبرى

تشهد هذه الأيام ذروة التوتر العسكري والسياسي بين المحور (الأمريكي-العربي) وإيران.
ومع تعثر المبادرات الدبلوماسية، انتقل الصراع من مرحلة “التهديد الكلامي” إلى مرحلة “الاشتباك الميداني المنضبط”، حيث أصبحت الممرات المائية الدولية هي ساحة كسر الإرادات الكبرى.
أولاً: المشهد العسكري (تغيير قواعد اللعبة)
لقد تجاوز الموقف الراهن فكرة “المناوشات العابرة”؛ فالمواجهة اليوم تتسم بصراع التكنولوجيا والتحالفات:
1. الظهور المصري القوي: يمثل الكشف عن مفرزة مقاتلات “الرافال” المصرية في الإمارات نقطة تحول استراتيجية، حيث أرسلت القاهرة رسالة عملية بأن “أمن الخليج” لم يعد مجرد شعار سياسي، بل التزام عسكري ميداني يوفر مظلة دفاعية جوية متقدمة ضد المسيرات والصواريخ.
2. استراتيجية “البعوضة” الإيرانية: تدرك طهران تفوق واشنطن التكنولوجي، لذا تراهن على “الحرب غير المتناظرة” واستنزاف الدفاعات الجوية الغربية بأسلحة رخيصة الثمن، مع تحريك وكلائها في باب المندب لخنق قناة السويس اقتصادياً.
ثانياً: التحولات السياسية (انقسام واشنطن وحزم العرب)
يعاني صانع القرار في واشنطن من انقسام داخلي بين “صقور” يطالبون بضربات قاصمة، و”حمائم” يخشون تكلفة الحرب الشاملة. هذا التردد الأمريكي دفع القوى العربية الكبرى (مصر والسعودية والإمارات) نحو “الاستقلال الأمني”، وتدشين تحالفات عسكرية “دفاعية نشطة” لتأمين مصالحها دون انتظار الضوء الأخضر من البيت الأبيض.
ثالثاً: السيناريوهات والتطورات المقبلة
بناءً على معطيات الحاضر، يتجه الموقف نحو أحد المسارين:
السيناريو الأول (التصعيد التكتيكي):
استمرار حرب الاستنزاف في مضيق هرمز وباب المندب، مع احتمال نشوء تحالف عسكري (مصري-سعودي) صريح لتأمين البحر الأحمر وقناة السويس كبديل استراتيجي لمضيق هرمز المغلق أو المهدد.
السيناريو الثاني (صفقة الضرورة):
أن يؤدي الضغط الاقتصادي الخانق على إيران، والضغط العسكري على وكلائها، إلى قبول طهران بمقترح “البنود الـ 14” الأمريكي بضمانات إقليمية، تجنباً لانهيار داخلي وشيك.
رابعاً: “فاتورة الصراع” على مائدة المواطن العربي
لا تتوقف أصداء المدافع في الخليج وباب المندب عند حدود القواعد العسكرية، بل تمتد لتطال جيب المواطن البسيط في القاهرة، الرياض، وعمان
جنون الأسعار وتكاليف الشحن:
مع تحول السفن إلى طريق “رأس الرجاء الصالح” هرباً من تهديدات باب المندب، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بنسب قياسية. هذا الارتفاع يترجم فوراً إلى زيادة في أسعار السلع المستوردة، خاصة المواد الغذائية والأجهزة الإلكترونية.
أزمة الطاقة والوقود:
رغم أن المنطقة العربية منتجة للنفط، إلا أن اضطراب الإمدادات العالمية يدفع بأسعار المشتقات البترولية صعوداً، مما يزيد من تكلفة النقل الداخلي والإنتاج الصناعي والزراعي.
تآكل الاحتياطيات النقدية:
بالنسبة لدول مثل مصر، فإن تراجع عائدات قناة السويس (بسبب تحول حركة التجارة) يضع ضغطاً هائلاً على العملة المحلية، مما يؤدي إلى موجات تضخمية ترهق القوة الشرائية للمواطنين.
حالة “اللايقين” الاستثماري:
يدفع التوتر العسكري المستثمرين إلى الحذر، مما قد يبطئ من وتيرة المشروعات التنموية وفرص العمل الجديدة، ويجعل الأولوية في ميزانيات الدول تذهب لـ “الدفاع والتأمين” بدلاً من “الخدمات والرفاهية
إن صمود “الجبهة الداخلية” العربية في ظل هذه الضغوط الاقتصادية لا يقل أهمية عن صمود “الجبهة العسكرية”؛ فالمواطن بات شريكاً في تحمل تكلفة حماية الأمن القومي، وهو ما يتطلب شفافية من الحكومات في إدارة الأزمة وتخفيف آثارها المعيشية.
الخلاصة:
المنطقة حالياً في حالة “مخاض عسكري”؛ فإيران تراهن على صمودها الاقتصادي وقدرتها على إرباك الطاقة العالمية، بينما يراهن المحور العربي-الأمريكي على إغلاق الممرات وتجفيف منابع القوة الإيرانية. تظل قناة السويس وباب المندب هما “الترمومتر” الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كنا نتجه نحو انفجار إقليمي شامل أم تسوية كبرى تعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى