
الصفعة المدوية : السعودية تنفض يدها من ترامب؟!
ميخائيل عوض / لبنان
إن الشرق الأوسط لم يعد يتحرك ضمن منطق المحاور الصلبة التي حكمت عقوداً من الصراع، بل بات يدخل مرحلة إعادة تركيب عميقة لموازين القوى، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والوجودية للدول الكبرى في المنطقة. ضمن هذا السياق، تبرز فكرة “التحالف السني المحتضن لإيران” ليس كتحالف عقائدي أو اصطفاف أيديولوجي، بل كصيغة توازن ناشئة تفرضها الضرورة الاستراتيجية لمنع الحرب الشاملة، وإعادة ضبط العلاقة بين القوى الإقليمية على قاعدة إدارة الصراع بدل الانزلاق إلى تفجيره. هذه المقاربة تنطلق من إدراك متزايد لدى دول مركزية مثل السعودية ومصر وباكستان والجزائر بأن استمرار منطق الاستقطاب الحاد بين المحاور التقليدية لم يعد قابلاً للاستدامة، وأن التهديدات الوجودية التي يطرحها التصعيد الإقليمي، في ظل سعي بنيامين نتنياهو لفرض وقائع استراتيجية جديدة، تدفع باتجاه إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي بما يتجاوز الانقسامات التاريخية نحو هندسة توازن أكثر تعقيداً وواقعية.
*المحور الأول: الحرب كولادة لعالم جديد*
ينطلق الطرح من فكرة مركزية نعتبرها أساس فهم ما يجري، وهي أن العالم يعيش مخاض انتقال تاريخي كبير، حيث تتهاوى القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتتشكل معادلات جديدة على أنقاضها.
في هذا السياق:
لم تعد القوة الغربية مطلقة كما كانت.
لم تعد الهيمنة الأمريكية قادرة على فرض إرادتها دون مقاومة.
لم تعد الشعوب قابلة للاستسلام لمشاريع “الاستباحة الشاملة”.
ولم تعد “إسرائيل الكبرى” مشروعاً قابلاً للمرور بسهولة كما كان يُعتقد.
إن الحرب الحالية كشفت تصادماً بين مشروعين:
مشروع الهيمنة والاستحواذ والسيطرة على الجغرافيا والثروات.
مشروع المقاومة التاريخية والدفاع عن حق الشعوب في الأرض والسيادة.
ومن هنا نربط بين ما يجري في فلسطين والمنطقة وبين تحولات عالمية أوسع تشمل:
الصين
روسيا
صعود الكتل الإقليمية
تفكك الأحادية الأمريكية
بروز تحالفات جديدة خارج النسق التقليدي.
*المحور الثاني: المقاومة… قانون الخلق وإرادة الوجود*
في المقاربة لا يُقدَّم فعل المقاومة كخيار سياسي طارئ أو كحالة استثنائية مرتبطة بظرف عسكري عابر، بل كقانون من قوانين الوجود نفسه، وكجزء من الطبيعة التي أودعها الله في الإنسان والكائنات والحياة بأسرها. أو كنمط حتمي في قانون الضبط الكوني الدقيق. فكما يدافع الجسد عن نفسه ضد المرض، وكما تقاوم الأرض من يحاول اقتلاع أهلها منها، وكما تحمي الكائنات وجودها ، فإن الشعوب أيضاً تمتلك حقاً فطرياً وتاريخياً وأخلاقياً في الدفاع عن حياتها وأرضها وكرامتها. ومن هنا إن المقاومة ليست “اختراعاً أيديولوجياً”، بل امتداد لإرادة الخلق ذاتها، لأن الله – وفق هذا التصور – خلق الحياة على قاعدة التوازن ورفض الاستباحة، ومنح البشر حق الدفاع عن وجودهم في مواجهة العدوان والطغيان ومحاولات الإلغاء. لذلك تصبح المقاومة، في هذا الفهم، صنو الخلق والحياة؛ تظهر كلما حاولت قوة متوحشة كسر إرادة الناس أو مصادرة حقهم في الأرض والسيادة والحرية، وتتحول إلى فعل طبيعي يعيد تصحيح الاختلال حين تتمادى مشاريع الهيمنة والاستحواذ.
*المحور الثالث: لماذا تراجع ترامب عن عملية الحرية خلال 24 ساعة؟… لحظة انكشاف حدود القوة الأمريكية*
عند ما يعتبره واحدة من أكثر اللحظات دلالة في مسار الحرب والتحولات الإقليمية، والمتمثلة في الانتقال السريع لـدونالد ترامب من إعلان عملية عسكرية واسعة تحت عناوين “حماية الملاحة” وفرض الردع، إلى التراجع المفاجئ خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، والإعلان عن وجود تفاوض واتصالات واتفاقات قيد البحث ، لا نقرأ هذا التراجع بوصفه مناورة تكتيكية عادية، بل باعتباره مؤشراً استراتيجياً على اهتزاز عميق داخل بنية القرار الأمريكي، وانكشاف حدود القدرة على فرض الحروب والإملاءات كما كان يحدث في العقود السابقة.
بحسب الطرح الذي نقدمه، فإن إدارة ترامب دخلت التصعيد وهي تعتقد أن مجرد الحشد العسكري والتهديد المباشر كفيلان بإخضاع إيران وإجبار المنطقة على التسليم بمعادلات جديدة، لكن ما حدث على الأرض جاء معاكساً تماماً للتوقعات. فإيران – وفق هذه القراءة – لم تتصرف كدولة خائفة أو معزولة، بل تعاملت مع التصعيد بمنطق الردع المباشر، حين أرسلت رسائل نارية واضحة عبر الإنذارات العسكرية وإطلاق صواريخ وتحريك أدوات القوة البحرية والصاروخية، بما أوصل رسالة أن أي حرب لن تبقى محدودة، وأن الخليج والممرات البحرية والقواعد الأمريكية ستكون جميعها داخل دائرة النار.
إن هذه اللحظة كانت مفصلية لأن واشنطن أدركت فجأة أنها لا تواجه خصماً يمكن تطويعه بضربة خاطفة، بل محوراً مستعداً للذهاب إلى مواجهة طويلة ومكلفة قد تشعل الإقليم بأكمله. وهنا برز العامل الباكستاني بوصفه عنصراً بالغ الأهمية في الحسابات الجديدة، إذ أن موقف باكستان الرافض للحرب حمل دلالات تتجاوز البعد السياسي التقليدي، لأنه أظهر أن دولة نووية مركزية في العالم الإسلامي لا تريد الانخراط في مشروع تدميري تقوده واشنطن وبنيامين نتنياهو، بل تسعى إلى منع الانفجار الشامل.
ونربط هذا الموقف بصعود الدور الصيني داخل باكستان والمنطقة، معتبراً أن بكين نفسها كانت تنظر بقلق إلى أي حرب قد تهدد خطوط التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية الكبرى التي تعمل على بنائها.
في موازاة ذلك، نضع الموقف السعودي في قلب أسباب التراجع الأمريكي، نعتبر أن الرسالة التي وصلت إلى واشنطن بأن الأراضي والأجواء السعودية لن تكون متاحة لحرب مفتوحة شكّلت صدمة حقيقية للإدارة الأمريكية. فالحرب التي كان يُفترض أن تُخاض انطلاقاً من بيئة خليجية داعمة، وجدت نفسها أمام موقف حاسم سعودي وخشية متزايدة من أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة استنزاف شامل.
لذلك نرى أن ترامب اكتشف خلال ساعات أن التحالف الذي كان يراهن عليه ليس متماسكاً كما بدا، وأن كثيراً من القوى الإقليمية بدأت تعيد حساباتها بعيداً عن منطق الاندفاع نحو المواجهة.
ومن هنا يعتبر إن التراجع السريع كشف جملة حقائق استراتيجية كبرى، أبرزها:
– تغيير جذري في الاستراتيجية السعودية لحليف كان دائما حليف أمن قومي أمريكي.
– خروج من تحت مظلة الحماية الوهمية الأمريكية واهتزاز الثقة الأمريكية بإمكانية الحسم السريع،
– سقوط فرضية “الضربة الخاطفة” التي طالما اعتمدتها واشنطن،
– إدراك كل الأطراف أن إيران ومحور المقاومة يمتلكان قدرة ردع حقيقية.
– خوف الولايات المتحدة من حرب استنزاف طويلة تستنزف الاقتصاد والجيش والمكانة الدولية،
– وبداية تشكل معادلة ردع إقليمية متعددة الأطراف لم تعد فيها واشنطن اللاعب الوحيد القادر على فرض قواعد اللعبة.
إن ما جرى خلال تلك الساعات القليلة كان بمثابة لحظة انكشاف تاريخية للنظام الدولي كله، لأن العالم شاهد للمرة الأولى بهذا الوضوح قوة عظمى تتراجع بسرعة أمام احتمالات الكلفة، لا أمام الهزيمة العسكرية المباشرة فقط. وهذا – وفق التحليل – يعني أن المنطقة دخلت زمناً مختلفاً، لم تعد فيه القوة الأمريكية كافية وحدها لإخضاع الدول والشعوب، وأن ميزان الردع العالمي بدأ يميل نحو حالة أكثر تعقيداً وتشابكاً، تتقاطع فيها:
– الإرادة الإقليمية،
– الصعود الآسيوي،
– المقاومة،
– والتحولات الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى.
وفي الخلاصة، إن تراجع ترامب خلال 24 ساعة لم يكن مجرد حادث سياسي عابر، بل إشارة مبكرة إلى أفول مرحلة كاملة من الهيمنة الأمريكية المطلقة، وبداية زمن جديد تُفرض فيه التوازنات بالقوة المتبادلة لا بالإملاء الأحادي.
*المحور الرابع: “الصفعة السعودية” لترامب… بداية الانفصال عن معادلات الهيمنة القديمة*
إن أخطر التحولات الجارية في المنطقة من خلال توصيفنا للموقف السعودي الأخير بأنه “صفعة مدوية” وجهها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى دونالد ترامب، ليس على المستوى الشخصي فقط، بل على مستوى إعادة تعريف العلاقة التاريخية بين الرياض وواشنطن. ففي قراءتنا، لا يتعلق الأمر بخلاف عابر أو تباين تكتيكي محدود، وإنما بتحول فرط استراتيجي يعكس إدراكاً سعودياً متنامياً بأن المنطقة دخلت زمناً مختلفاً، وأن الاستمرار في التموضع القديم نفسه قد يعرّض المملكة والمنطقة كلها لأخطار وجودية غير مسبوقة.
بحسب الطرح ، فإن ترامب و نتنياهو كانا يدفعان باتجاه استخدام الخليج والسعودية تحديداً كقاعدة متقدمة للمواجهة الكبرى مع إيران ومحور المقاومة، لإخضاع إيران و لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة وفرض وقائع “إسرائيل الكبرى” وهيمنة إسرائيل الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية على المشرق والخليج معاً.
لكن المفاجأة، وفق هذا التحليل، جاءت من الرياض نفسها، حين أُبلغت الإدارة الأمريكية بوضوح أن:
الأراضي السعودية ليست متاحة لهذه الحرب، والأجواء السعودية لن تكون ممراً لمغامرة مفتوحة، والقواعد العسكرية لن تتحول إلى منصات لاستهداف المنطقة وإشعال الخليج.
إن هذه الرسالة هي صفعة مدوية وجهها ابن سلمان لترامب تحمل دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لأنها تعني أن السعودية بدأت تدرك أن المشروع الإسرائيلي – بصيغته التوسعية الجديدة – لا يهدد إيران وحدها، بل يهدد أيضاً بنية الخليج والدول العربية نفسها، ويحوّل الجميع إلى أدوات في حرب قد تنتهي بتفكيك المنطقة وإعادة ابتلاعها تحت مظلة الهيمنة الإسرائيلية ـ الأمريكية.
ومن هنا نربط هذا التحول بجملة مؤشرات سبقت الأزمة الحالية، منها:
– تعزيز العلاقة السعودية مع باكستان،
– استقدام آلاف الضباط والعسكريين الباكستانيين،
– تنامي التفاهمات مع مصر،
– التباين المتزايد مع الإمارات،
– الانفتاح المدروس على الصين وروسيا،
– ومحاولة بناء سياسة أكثر استقلالية عن الإيقاع الأمريكي التقليدي.
وفي هذا السياق، إن القيادة السعودية بدأت تعيد قراءة المشهد العالمي انطلاقاً من حقيقة أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد قادرة على خوض الحروب كما في السابق، وأن زمن الحسم السريع انتهى، وأن أي مواجهة كبرى ضد إيران قد تتحول إلى انفجار شامل يهدد:
النفط، الملاحة، استقرار الخليج،
الاقتصاد العالمي، وحتى استقرار الأنظمة الحليفة لواشنطن نفسها.
ويذهب التحليل أبعد من ذلك حين يربط بين موقف الرياض وبين ما وصفه بـ“الإهانة السياسية” التي مارسها ترامب بحق السعودية وولي عهدها، معتبراً أن المملكة لم تعد مستعدة للقبول بعلاقة تقوم فقط على الابتزاز المالي والأمني. فالسعودية الجديدة، وفق هذا التصور، تحاول الانتقال من موقع “الدولة التابعة للحماية الأمريكية” إلى موقع القوة الإقليمية التي تمتلك هامش قرارها الخاص، وتسعى إلى إدارة مصالحها ضمن توازنات متعددة لا ضمن محور أحادي مغلق.
فإن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في الموقف السعودي ذاته، بل في ما قد يفتحه من إعادة اصطفاف داخل العالم العربي والإسلامي، حيث نرى أن الرياض بدأت تتحرك ضمن إدراك جديد يقول إن:
الاستقرار الإقليمي لا يُبنى عبر الحروب المفتوحة،
وأن مشروع نتنياهو التوسعي قد يبتلع الجميع،
وأن التحولات العالمية الجارية تفرض بناء شراكات جديدة مع آسيا والقوى الصاعدة،
وأن مرحلة ما بعد النفط تختلف جذرياً عن العقود التي كانت فيها الحماية الأمريكية ضمانة مطلقة لبقاء الأنظمة والمعادلات القديمة.
لذلك نصف هذه اللحظة بأنها بداية “فك ارتباط ” مع مرحلة تاريخية كاملة، لا بمعنى القطيعة النهائية مع واشنطن، بل بمعنى انتقال السعودية من موقع التبعية الاستراتيجية الكاملة إلى موقع الشريك الحذر الذي يعيد حساباته وفق توازنات عالم يتغير بسرعة، وحرب يرى أنها لن تنتهي بإعادة إنتاج الشرق الأوسط القديم، بل بولادة شرق أوسط مختلف بالكامل.
*المحور الخامس: التحالف السني المحتضن لإيران… هندسة التوازنات في شرق أوسط ما بعد المحاور*
نعود للتذكير بما طرحناه سابقا عن حتمية تشكل هلال سني يحتضن إيران الشيعية،
في المقاربة ، لا يُفهم ما نسميه “التحالف السني الجديد” بوصفه انقلاباً أيديولوجياً أو اصطفافاً مذهبياً تقليدياً، بل كتحول فرط استراتيجي تفرضه الوقائع الجيوسياسية على دول كبرى داخل العالمين العربي والإسلامي. فبحسب هذا الطرح، تتجه قوى مركزية مثل السعودية ومصر وباكستان والجزائر نحو إعادة تعريف علاقتها ببعضها وبالإقليم، ليس على قاعدة التحالفات التقليدية الصلبة، بل على قاعدة “توازن الضرورة” الذي يفرضه خطر الانفجار الإقليمي الشامل.
في هذا السياق، نرى أن التقاطع الموضوعي مع إيران لا ينبع من تقارب عقائدي، بل من إدراك مشترك بأن مشروع الهيمنة الإسرائيلي ـ الأمريكي، بصيغته التوسعية التي يدفعها بنيامين نتنياهو، لم يعد يستهدف دولة بعينها، بل يهدد البنية الإقليمية برمتها، بما في ذلك الدول التي كانت تاريخياً في موقع الخصومة أو التباعد مع طهران. لذلك يصبح الانفتاح على إيران – في هذا التصور – جزءاً من هندسة توازن جديدة تهدف إلى منع الحرب الكبرى، لا إلى بناء محور مغلق، وإلى إدارة الصراع بدل الانزلاق إلى تفجيره.
ونعتبر أن هذا التحول يعكس نشوء ما يمكن تسميته “عقل الدولة الواقعية” داخل الكتلة السنية الكبرى، حيث تتراجع الاعتبارات الأيديولوجية أمام حسابات الأمن القومي والاستقرار والاستمرارية.
وتصحيح لمسار تاريخي من النضال تصدرت فيه الكتلة الإسلامية الشيعية لما يقارب نصف قرن الدفاع المقدس عن فلسطين لتعود قضية فلسطين بحكم الضرورة التاريخية لتكون قضية اسلامية سنية.
فالسعودية، بحسب هذا التحليل، تدرك أن الانخراط في حروب مفتوحة ضد إيران أو في مشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة سيحوّلها من لاعب مركزي إلى ساحة استنزاف، بينما تدرك مصر أن أي إعادة رسم للشرق الأوسط دون اعتبار لثقلها التاريخي سيعني تهديداً مباشراً لأمنها القومي الممتد من سيناء إلى غزة. أما باكستان، فتنظر إلى أي انفجار إقليمي في الشرق الأوسط باعتباره تهديداً غير مباشر لتوازنها الداخلي وموقعها الاستراتيجي، فيما ترى الجزائر في تفكك المنطقة العربية خطراً على فكرة الدولة الوطنية ذاتها.
ومن هنا، نطرح فكرة “التحالف السني المحتضن لإيران” كصيغة توازن لا كتحالف عقائدي، أي كتقاطع مصالح ظرفي طويل الأمد هدفه الأساسي منع الهيمنة المطلقة لأي قوة إقليمية أو دولية، وخصوصاً في ظل تراجع القدرة الأمريكية على ضبط النظام العالمي، واهتزاز مشروع التفوق الإسرائيلي تحت ضغط الحروب المفتوحة. في هذا الإطار، تصبح إيران – رغم التباينات العميقة معها – جزءاً من معادلة توازن إقليمي أكبر، لا عدوًا مطلقاً ولا حليفاً كاملاً، بل طرفاً أساسياً في هندسة الردع المتبادل التي تمنع الانفجار الشامل.
وبذلك، نخلص إلى أن ما يتشكل ليس محوراً سنياً مغلقاً، ولا محوراً شيعياً مضاداً، بل فضاء توازن إقليمي جديد تتقاطع فيه المصالح فوق الانقسامات التقليدية، وتُعاد فيه صياغة العلاقة مع إيران وإسرائيل وأمريكا ضمن منطق واحد: منع مشروع إسرائيل الكبرى وإعادة إنتاج الاستقرار على قاعدة تعدد مراكز القوة، لا احتكارها.
*المحور السادس: مصر تدخل معادلة الردع… عودة القوة المؤسسة إلى قلب التوازن الإقليمي*
في قراءتنا نعتبر أن عودة مصر إلى واجهة التوازنات الإقليمية ليست مجرد تطور ظرفي مرتبط بمناورات أو رسائل سياسية آنية، بل تحوّل بنيوي يعيد إدخال “الدولة المركزية” في معادلة الردع الإقليمي بعد سنوات من التراجع النسبي في التأثير المباشر على مسارات الصراع في المشرق. في هذا السياق، نربط بين التطورات العسكرية الأخيرة وبين إعادة تموضع استراتيجي أوسع للمؤسسة المصرية، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي وحدوده، بحيث لم يعد محصوراً داخل الجغرافيا المصرية الضيقة، بل بات ممتداً إلى الدوائر الحيوية المحيطة، وعلى رأسها فلسطين وغزة وسيناء.
وفق هذه القراءة، فإن المناورات العسكرية المصرية الأخيرة حملت رسائل تتجاوز الطابع التدريبي التقليدي، لتصل إلى مستوى الإشارة السياسية ـ الاستراتيجية المباشرة، خصوصاً تجاه بنيامين نتنياهو، خاصة بعد تصريحه الأخير أن الأمن أهم من السلام وأن إسرائيل تخطط لاشتباك مع مصر، مفادها أن أي محاولة لإعادة إنتاج وقائع ديموغرافية أو جغرافية على حدود مصر، سواء عبر سيناريوهات التهجير أو تفريغ قطاع غزة أو إعادة تشكيل سيناء كمنطقة عازلة وظيفية، ستُقابل بمنطق ردع مختلف تماماً عما كان سائداً في مراحل سابقة.
ونعتبر أن هذا التحول يعكس عودة الجيش المصري إلى موقعه التاريخي كـ“قوة ردع إقليمية” تمتلك وزناً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص المشرق العربي أو أمن البحر الأحمر أو مستقبل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
في هذا الإطار، يبرز في التحليل إدراك متزايد داخل القاهرة بأن المشروع الإسرائيلي في صيغته الراهنة لم يعد مشروع حدود أو تسوية سياسية تقليدية، بل مشروع توسعي يحمل في جوهره فكرة “إعادة إنتاج الجغرافيا السياسية للمنطقة”، بما قد يفضي إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري في مستوياته العميقة، لا سيما إذا ما ارتبطت التحولات في غزة والضفة بمحاولات دفع السكان نحو سيناء أو خلق وقائع دائمة على الحدود الشرقية لمصر. لذلك، نرى أن المؤسسة المصرية باتت تعيد صياغة عقيدتها الأمنية بحيث تصبح فلسطين، وليس فقط سيناء أو قناة السويس، جزءاً عضوياً من منظومة الأمن القومي المصري.
ومن هذا المنطلق، نربط بين ثلاثة مسارات متداخلة:
– التصعيد الإسرائيلي المتزايد في غزة والضفة ومحاولات فرض وقائع ديموغرافية جديدة،
– التحركات العسكرية والسياسية المصرية التي تعكس تشدداً متصاعداً في ملف الحدود والتهجير،
– وإعادة تشكل المحاور العربية والإقليمية في ظل انكشاف حدود القوة الإسرائيلية واهتزاز المعادلات التقليدية في الإقليم.
ونرى أن هذا التقاطع لا يعكس فقط عودة مصر كفاعل عسكري تقليدي، بل كعنصر “ضابط إيقاع استراتيجي” في لحظة انتقال إقليمي كبرى، حيث لم تعد القاهرة تتعامل مع القضية الفلسطينية كملف تفاوضي أو إنساني فقط، بل كجزء من معادلة وجودية مرتبطة مباشرة باستقرار الدولة المصرية نفسها.
وفي القراءة الأوسع التي نقدمها فإن دخول مصر بقوة متجددة إلى معادلة الردع يساهم في إعادة توزيع موازين القوى داخل الإقليم، ويؤثر مباشرة على سلوك باقي الأطراف، سواء في الخليج أو المشرق أو شمال إفريقيا، لأنه يعيد تفعيل “العمود الفقري” التقليدي للعالم العربي، أي الدولة المصرية، في لحظة تتسم بتفكك التحالفات القديمة وبداية تشكل اصطفافات جديدة تتجاوز منطق المحاور الجامدة نحو توازنات مرنة تحكمها اعتبارات الأمن والردع ومنع الانفجار الشامل.
وبذلك، تصبح مصر في هذا التصور ليست مجرد طرف في الصراع، بل عنصر توازن مركزي يعيد ضبط حدود القوة الإسرائيلية، ويمنع تحول الصراع من ساحة إقليمية مضبوطة إلى انفجار مفتوح يطال بنية المنطقة بأكملها.
*المحور السابع: الإمارات لعبة الشبطان… المشروع الأكثر تهوراً في هندسة الخرائط*
نرى أن ابن زايد لم يكتفِ بالانخراط في مشروع التحالف مع الولايات المتحدة وبنيامين نتنياهو، بل اندفع – وفق توصيفنا – إلى لعب دور يتجاوز الإمكانات الطبيعية لدولة بحجم الإمارات، محاولاً التحول إلى مركز إعادة تشكيل سياسي وأمني واقتصادي للمنطقة بأسرها. وفي هذا السياق، لا نقرأ السياسات الإماراتية كتحركات منفصلة أو مجرد طموحات نفوذ عادية، بل كجزء من مشروع جيوسياسي متكامل هدفه إنتاج شرق أوسط جديد تُدار مفاصله عبر تحالف أمني ـ اقتصادي تقوده إسرائيل وتلعب فيه أبوظبي دور الشريك التنفيذي الأكثر حماسة واندفاعاً.
بحسب الطرح الذي نقدمه فإن القيادة الإماراتية تصرفت خلال السنوات الأخيرة انطلاقاً من قناعة بأن مرحلة التحولات الكبرى والانهيارات العربية تتيح لقوة مالية ذات إمكانات اقتصادية ضخمة أن تملأ الفراغ وتفرض نفسها لاعباً مركزياً في الإقليم، ليس فقط عبر الاقتصاد والاستثمارات، بل عبر: بناء شبكات نفوذ أمنية،
السيطرة على موانئ وممرات بحرية، التمدد في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والتدخل في الصراعات الداخلية العربية،
وإنشاء تحالفات مباشرة مع إسرائيل في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستخبارات.
ونرى أن هذا الاندفاع لم يكن منفصلاً عن الرؤية الإسرائيلية ـ الأمريكية للمنطقة، بل جاء متقاطعاً معها إلى حد بعيد، خصوصاً في ما يتعلق بمشروع السيطرة على خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية. لذلك نربط بين الحضور الإماراتي في مناطق مثل: البحر الأحمر، القرن الإفريقي، جنوب اليمن، والسواحل المتصلة بالمحيط الهندي، وبين محاولة بناء نفوذ جيوسياسي يتجاوز الحدود التقليدية لدولة خليجية صغيرة نحو نموذج “الدولة الوظيفية الإقليمية” التي تؤدي أدواراً تتناسب مع المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي الأوسع.
إن هذه السياسة بدأت تصطدم تدريجياً بوقائع أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. فبدلاً من التحول إلى مركز قيادة عربي جديد، بدأت أبوظبي تدخل في تناقضات حادة مع قوى إقليمية وازنة.
ففي قراءتنا، ظهر التباين مع محمد بن سلمان حول ملفات الحرب والسلام والعلاقة مع إسرائيل ومستقبل الخليج، كما تفاقمت الخلافات مع:
الجزائر بسبب التباينات حول قضايا السيادة والتحالفات،
مصر نتيجة اختلاف الحسابات المرتبطة بالأمن القومي ودور الدولة الوطنية،
وباكستان التي نظر إليها عوض كقوة بدأت ترى في المشروع الإماراتي امتداداً لمحاولة تفكيك التوازنات الإسلامية والإقليمية.
وفي هذا السياق، نتوقف عند جملة مؤشرات يعتبرها كاشفة، مثل:
– التوترات الخليجية الصامتة،
– التباينات داخل “أوبك”، خاصة بعد انسحاب الإمارات
– الخلافات حول اليمن والبحر الأحمر،
– إعادة تموضع قطر وتركيا،
– والتعامل الإماراتي المختلف مع ملف التطبيع والتحالف الأمني مع إسرائيل.
ونرى أن كل ذلك يعكس صراعاً أعمق بكثير من مجرد خلافات سياسية عابرة، بل صراع على:
من يقود المنطقة العربية في المرحلة المقبلة، من يحدد شكل العلاقة مع إسرائيل، وكيف ستُعاد صياغة خرائط النفوذ،
وما إذا كان الشرق الأوسط سيتحول إلى فضاء تديره تل أبيب أمنياً واقتصادياً تحت المظلة الأمريكية.
وفي قراءتنا، فإن المشكلة الأساسية في المشروع الإماراتي تكمن في أنه – بحسب توصيفنا– راهن على لحظة اعتقد فيها أن إسرائيل والولايات المتحدة في ذروة القوة، بينما كانت التحولات العالمية تسير بعكس ذلك. فمع:
صعود الصين، وتعاظم الدور الروسي، تراجع القدرة الأمريكية على خوض الحروب الطويلة، إضافة لعودة مصر والسعودية إلى حسابات أكثر حذراً، واستعادة القضية الفلسطينية لمركزيتها، بات المشروع الإماراتي، وفق التحليل، أكثر عرضة للاهتزاز والتناقضات.
لذلك نرى أن الإمارات تجد نفسها اليوم أمام مفترق بالغ الحساسية: إما الاستمرار في الاندفاع داخل مشروع إقليمي عالي المخاطر قد يقود إلى صدامات أوسع، أو إعادة التموضع ضمن توازنات جديدة بدأت تتشكل في المنطقة بعيداً عن منطق الهيمنة المطلقة والتحالفات المغلقة.
وفي الخلاصة، الدور الإماراتي بوصفه التعبير الأكثر وضوحاً عن مرحلة “الرهان على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة والمال والتحالف الأمني”، لكنه في الوقت نفسه نرى أن التحولات الكبرى الجارية قد تجعل هذا المشروع نفسه أحد أكثر المشاريع عرضة للاهتزاز مع تبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.
*المحور السابع: الغزل القطري الإماراتي ودور أردوغان…*
ما يُقرأ و يمكن تسميته “التقاطع أو الغزل” بين قطر والإمارات العربية المتحدة مع ما يجري في الإقليم ليس مجرد تقارباً مستقراً أو اصطفافاً نهائياً، بل كحركة تموضع مرنة داخل مشهد إقليمي شديد السيولة، تحكمه إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى والوسطى. خاصة أن قطر لن تتجه إلى هذا التقارب إلا بدفع من أردوغان فبحسب هذا التصور، تتحرك الدوحة وأبوظبي داخل مساحة معقدة من التوازنات، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والإعلامية والأمنية أحياناً، وتتباعد في ملفات استراتيجية أخرى، في إطار سعي كل طرف إلى تعزيز موقعه داخل هندسة شرق أوسط يتغير بسرعة تحت ضغط التحولات الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية.
في هذا السياق، نضع دور رجب طيب أردوغان بوصفه فاعلاً إقليمياً يتصرف ضمن حدود دور “الوكيل المرن” للمصالح الغربية في المنطقة، مع قدرة على المناورة بين العواصم المتنافسة، واستثمار التناقضات بين المحاور دون الانخراط الكامل في أي منها. فتركيا، في هذا التحليل، لا تُقدَّم كطرف ثابت داخل محور اقليمي أو محور غرب كامل، بل كقوة ميكافيلية تتحرك بين الضفتين، تستفيد من علاقتها مع الغرب من جهة، ومن انفتاحها على ملفات الشرق الأوسط من جهة أخرى، بما يتيح لها لعب دور الوسيط أو المتداخل في أكثر من ساحة.
خاصة مع التنافس الأخير الذي بدى واضحا بين اردوغان ونتنياهو وهما الوكيلين للمشروع الأمريكي. ومع طموح أردوغان أن يتحول من الوكيل الأجير ليأخذ دور الوكيل الشريك فهو يسعى من خلال هذا التشابك بين الدوحة وأبوظبي وأنقرة إلى إعادة تشكل المنظومة الإقليمية بعد اهتزاز مركزية الولايات المتحدة وتراجع قدرتها على ضبط التوازنات بشكل مباشر، ما فتح المجال أمام ما يمكن تسميته بـ“سياسة التعدد الوظيفي”، حيث تتحرك الدول الصغيرة والمتوسطة ضمن أدوار متغيرة: تمويل، وساطة، نفوذ إعلامي، أو حضور أمني غير مباشر. إلا أن هذا “الغزل السياسي” يبقى – وفق هذا الطرح – محكوماً بسقوف واضحة، أبرزها أن أي تقاطع تكتيكي لا يلغي التنافس الاستراتيجي، وأن حدود هذا التقارب ستتحدد بمدى اتساع أو انكماش الصراع الإقليمي الأوسع، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل العلاقة مع إسرائيل، وإيران، ومشاريع الأمن البحري والغازي في شرق المتوسط والخليج.
وبالتالي، إن الدور التركي والقطري والإماراتي يتحرك داخل مساحة اختبار دائمة، حيث يمكن أن يتحول التقاطع إلى صدام، كما يمكن أن يتحول التباعد إلى تنسيق ظرفي، تبعاً لتطور ميزان القوى بين المحاور الكبرى. أما العامل الحاسم في رسم حدود هذا المشهد، فيبقى مرتبطاً بمدى قدرة القوى الإقليمية المركزية – مثل السعودية ومصر – على إعادة فرض توازن إقليمي أكثر صلابة، يمنع تحويل هذا التداخل إلى فوضى مفتوحة أو إلى إعادة إنتاج نفوذ خارجي غير مباشر تحت عناوين جديدة.
*المحور الثامن: نهاية نتنياهو… ونهاية النموذج الإسرائيلي القائم معه*
نؤكد مجددا في هذا المحور أن مصير بنيامين نتنياهو ليس مصيراً شخصياً أو سياسياً معزولاً، بل باعتباره انعكاساً مباشراً لمصير البنية السياسية والأمنية للنموذج الإسرائيلي برمته، كما تبلور خلال العقود الماضية. في هذا التصور، يصبح نتنياهو ليس مجرد قائد في لحظة حرب، بل عنواناً لمرحلة كاملة، وبالتالي فإن أي اهتزاز استراتيجي يصيبه لا يمكن فصله عن اهتزاز الكيان الذي يقوده، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع أو العقيدة الأمنية.
وفق هذه القراءة، إن الحرب الطويلة الجارية لا تُستنزف فيها الأطراف الفلسطينية أو الإقليمية فقط، بل تُدخل إسرائيل نفسها في مسار استنزاف داخلي متعدد المستويات، يبدأ من الجبهة العسكرية ولا ينتهي عند حدود الاقتصاد والمجتمع والسياسة. فكل تمدد في العمليات، وكل فشل في تحقيق حسم سريع، يضيف طبقة جديدة من الضغط على البنية الإسرائيلية، ويكشف تدريجياً حدود نموذج “الجيش الذي لا يُهزم”، الذي تأسس عليه الوعي الإسرائيلي والعقيدة الردعية منذ قيام الدولة.
وفي هذا السياق، نعتبر أن أخطر التحولات لا تكمن فقط في التحديات العسكرية الميدانية، بل في التآكل التدريجي لما يسميه “القدرة على إنتاج اليقين” داخل المجتمع الإسرائيلي. فالنموذج الإسرائيلي – بحسب هذا التحليل – كان يقوم على ركيزة نفسية أساسية تتمثل في الإحساس الدائم بالتفوق العسكري والقدرة على الحسم السريع ومنع انزلاق الصراع إلى حرب استنزاف طويلة. لكن مع تطاول أمد المواجهات وتعدد الجبهات وتداخل ساحات الإقليم، بدأ هذا اليقين يتعرض للاهتزاز، ما ينعكس في:
– تصاعد القلق الوجودي داخل المجتمع الإسرائيلي،
– تزايد الانقسام السياسي الحاد بين مكوناته الداخلية،
– تراجع الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية،
– وتنامي الشعور بعدم القدرة على حسم الصراع بشكل نهائي.
ونربط بين هذه التحولات وبين مسار الحرب الأوسع في المنطقة، حيث نرى أن إسرائيل لم تعد تواجه خصوماً تقليديين محدودي القدرة، بل بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وتنوعاً في أدوات الردع والمواجهة، ما يجعل كل محاولة للحسم العسكري تتحول إلى مدخل لاستنزاف جديد بدل إنهاء الصراع. وفي هذا الإطار، يصبح استمرار الحرب عاملاً يعمّق التآكل الداخلي بدل أن يعزز الاستقرار الأمني كما كان يُفترض في العقيدة الإسرائيلية التقليدية.
ومن هنا نخلص إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد يدور حول “مستقبل نتنياهو” فقط، بل حول مستقبل النموذج الإسرائيلي نفسه: هل يستطيع هذا النموذج أن يستمر في ظل بيئة إقليمية ودولية تتغير بسرعة؟ أم أن ما يجري يمثل بداية مرحلة تفكك تدريجي في الأسس النفسية والسياسية والعسكرية التي قامت عليها إسرائيل منذ تأسيسها؟
في هذا الإطار، تصبح “نهاية نتنياهو” لن تكون كتحول سياسي أو هزيمة استراتيجية لشخص أو حكومة، بل لحظة كاشفة لبداية اهتزاز أعمق في بنية الدولة، حيث يفقد النظام الإسرائيلي عناصر ومبررات وجوده وهو ما أكدماه غير مرة أن ” إسرائيل هي نتنياهو، ونهاية نتنياهو تعني بالضرورة نهاية إسرائيل” وهذا ما بات أكثر وضوحا حتى داخل المجتمع الإسرائيلي ونخبه خاصة مع إشارة لمقال نشرته صحيفة هآرتس قبل أيام تحدثت فيه الكاتبة أن ” نتنياهو سيرحل.. وستزول معه إسرائيل”
*المحور التاسع: من التبعية إلى إعادة التموضع… نحو شرق أوسط قيد التشكل*
إن المنطقة برمتها دخلت مرحلة “إعادة فرز كبرى” لا تشبه أي انتقالات سابقة في تاريخها الحديث، لأنها لا تتعلق بتعديل في موازين القوى داخل إطار قائم، بل بإعادة تفكيك ذلك الإطار نفسه وإعادة تركيبه من جديد على أسس مختلفة. في هذا السياق، تتقاطع التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية لتنتج لحظة إقليمية تتسم بتفكك التحالفات التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود، مقابل صعود اصطفافات جديدة أكثر مرونة وتعقيداً، تتشكل خارج القوالب الجامدة التي رسمتها مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وفق هذا التصور، نرى أن مؤشرات المرحلة الجديدة تتمثل في تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض معادلاتها الكاملة كما في السابق، وظهور حدود واضحة لنفوذها في إدارة الحروب المفتوحة، بالتوازي مع تآكل تدريجي في هامش المناورة الإسرائيلي، نتيجة اتساع جبهات الاستنزاف وتعدد ساحات الضغط، ما يضع المشروع الإسرائيلي أمام تحديات بنيوية تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى عمق النموذج السياسي والأمني الذي يقوم عليه. وفي المقابل، تتبلور داخل الإقليم كتل جديدة تسعى إلى إعادة تعريف مصالحها خارج منطق الاستقطاب الأحادي، وبعيداً عن الاصطفاف الصلب داخل محور واحد.
وفي هذا الإطار، لا نقدم أن السعودية كدولة خرجت بالكامل من المنظومة الأمريكية ـ الغربية، بل كقوة إقليمية كبرى بدأت تعيد تقييم موقعها في ضوء التحولات المتسارعة، وتدرك تدريجياً أن البقاء في موقع التبعية داخل معادلات حرب مفتوحة ومفتوحة الاحتمالات قد يضع أمنها واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية في دائرة الخطر المباشر. لذلك فإن ما يسميه “الصفعة المدوية” لا يُقرأ كحادث منفصل أو موقف ظرفي، بل كإشارة سياسية ـ استراتيجية تعكس بداية تمايز تدريجي عن المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي، وإعادة تعريف لمفهوم العلاقة مع واشنطن من علاقة تبعية أمنية مطلقة إلى علاقة شراكة مشروطة بالحسابات الوطنية والإقليمية الجديدة.
ومن هنا، تصبح هذه اللحظة – وفق قراءتنا – لحظة انتقالية بامتياز، لأنها تعلن بداية خروج المنطقة من منطق “التحالفات الثابتة” إلى منطق “التموضع المتحرك”، حيث لم تعد الدول تُعرّف مواقعها وفق ولاءات نهائية، بل وفق توازنات متغيرة تفرضها الوقائع الميدانية والتحولات الدولية. وفي هذا السياق، تتحول المنطقة إلى فضاء مفتوح على احتمالات متعددة، تتقاطع فيه:
– إعادة تشكل مراكز القرار الإقليمي،
– إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي للدول الكبرى،
– تراجع المركزية الأمريكية التقليدية،
– وتزايد الحاجة إلى صيغ توازن تمنع الانفجار الشامل بدل الدفع نحو الحروب المفتوحة.
وبذلك، نخلص إلى أن ما يجري ليس مجرد إعادة ترتيب داخل النظام القديم، بل بداية تشكل نظام إقليمي جديد خارج القوالب التي حكمت المنطقة منذ سايكس ـ بيكو وما بعدها، نظام لا يزال في طور التكوين، لكنه يتجه نحو مزيد من التعقيد والاستقلالية والتعددية في مراكز القوة، حيث لم يعد أي طرف قادراً على احتكار القرار أو فرض الهيمنة المطلقة، بل بات الجميع مضطراً إلى إعادة التموضع داخل مشهد يتغير بسرعة ويُعاد تشكيله تحت ضغط الصراع والتحولات العالمية الكبرى.
🖊 ميخائيل عوض