أحمد فؤاد يكتب :هل يُقدم ترامب على حرب؟ حين تتحول السياسة من «أميركا أولاً» إلى «أنا أولاً»
قراءة تحليلية في التصعيد الأميركي–الإيراني استلهامًا من طرح الكاتب الأميركي توماس فريدمان

في خضم التصعيد المتسارع في الخطاب السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تتكاثر المؤشرات المقلقة: تصريحات إيرانية واضحة تعتبر أي ضربة، مهما كان توصيفها، حربًا شاملة؛ حشود عسكرية أميركية في المنطقة؛ أخبار عن إلغاء رحلات طيران دولية إلى مطار بن غوريون؛ وحالة استنفار إقليمي تعكس هشاشة اللحظة وخطورتها. السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: هل يمكن أن تقع الحرب؟ بل: هل يدرك من قد يشعلها كيف يمكن إيقافها؟
هنا تكتسب ملاحظة الكاتب الأميركي توماس فريدمان أهميتها التحليلية، حين قال إن سياسة الرئيس دونالد ترامب ليست «أميركا أولاً» بل «أنا أولاً». هذه الجملة، على بساطتها، تفتح بابًا واسعًا لفهم منطق القرار في البيت الأبيض، خاصة في الأزمات الكبرى. فـ«أنا أولاً» لا تعني تقديم المصلحة الوطنية بمعناها الاستراتيجي الطويل الأمد، بل تقديم صورة الزعيم، وهيبته، وانتصاره الرمزي السريع، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار العالمي.
ترامب، في جوهر سلوكه السياسي، لا ينظر إلى الحرب باعتبارها مسارًا معقدًا له بدايات ونهايات وتداعيات، بل كحدث استعراضي يمكن التحكم بإيقاعه إعلاميًا. الضربة، في هذا المنطق، ليست أداة ضمن استراتيجية، بل رسالة قوة بحد ذاتها. المشكلة أن هذا المنطق قد يصلح في عالم الصفقات العقارية، لكنه يصبح بالغ الخطورة حين يُسقط على صراعات إقليمية معقدة مثل الصراع مع إيران.
إيران، من جهتها، تعي هذا الخلل جيدًا، ولذلك ترفع سقف الردع إلى أقصاه. حين تقول طهران إن أي هجوم سيُعتبر حربًا شاملة، فهي لا تهدد فقط، بل تغلق الباب أمام فكرة «الضربة الجراحية النظيفة» التي طالما أغرت صناع القرار في واشنطن. الرسالة الإيرانية واضحة: لا توجد عملية محدودة بلا ثمن واسع، ولا استعراض قوة بلا تداعيات إقليمية.
المفارقة أن هذا التصعيد المتبادل لا يعني بالضرورة أن الطرفين يريدان الحرب، لكنه يعني أن كليهما يتحرك على حافة سوء التقدير. ترامب قد يعتقد أن ضربة محسوبة ستعيد الردع وتُظهره بمظهر الرئيس القوي، لكن التاريخ الحديث يُظهر أن الحروب لا تُدار بالنيات ولا بالخطابات، بل بتفاعلات معقدة سرعان ما تخرج عن السيطرة.
في هذا السياق، تصبح عبارة «سيعرف كيف يبدأها، لكنه لا يعرف كيف ينهيها» توصيفًا دقيقًا لا دعائيًا. فالحرب مع إيران، بخلاف حروب سابقة، لا تملك نقطة نهاية واضحة. هل الهدف تغيير السلوك؟ إسقاط النظام؟ إعادة التفاوض؟ كل هدف من هذه الأهداف يتطلب حربًا مختلفة، وكلفة مختلفة، ونهاية مختلفة. غياب هذا التحديد يعني أن أي انخراط عسكري سيكون بداية مسار مفتوح، لا يمكن التنبؤ بنهايته.
الأخطر من ذلك أن أي مواجهة لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران. المنطقة بأسرها ستكون ساحة ارتدادات: الخليج، الملاحة الدولية، أسواق الطاقة، الطيران المدني، وحتى التوازنات الداخلية في دول عديدة. إلغاء الرحلات الجوية، حتى لو كان احترازيًا، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر على أن اللاعبين الاقتصاديين بدأوا يتصرفون على أساس احتمال الانفجار، لا على أساس الطمأنة السياسية.
من هنا، تبدو سياسة «أنا أولاً» عاجزة عن إدارة لحظة كهذه. فالحروب لا تُحسم بالشخصنة، ولا تُنتهى بحفظ ماء وجه زعيم، بل بتفاهمات قاسية ومعقدة تتطلب صبرًا ومؤسسات وتحالفات، وهي عناصر لا تنسجم مع عقلية الاستعراض السريع. ما يحتاجه العالم اليوم ليس رئيسًا يعرف كيف يضغط الزناد، بل قيادة تعرف متى ولماذا، والأهم: كيف تتوقف.
في المحصلة، الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اندلاع الحرب، بل في نمط التفكير الذي قد يقود إليها. حين تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد للأنا، يصبح العالم كله رهينة لحظة انفعال، أو حساب انتخابي، أو رغبة في تسجيل نصر شخصي. وهذا، في ذاته، أخطر من أي صاروخ.