رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : الطاغية منتوج إجتماعي

لم يأت طاغية عربي واحد الى الحكم من خلال مؤسسة برلمانية أو تدرج في وظيفة سياسية أو انتخابات شرعية بل يأتي عبر القفز على السلطة بانقلاب مسلح أو من خلال حزب هو في النهاية عصابة مسلحة بعنوان ايديولوجيا.
وبلا استثناء، جميع الطغاة العرب أمس واليوم وغدا القريب، لم يجدوا مؤسسة قانونية أو برلمانية حقيقية بل العكس إن وجدت هدموها وحلت مؤسسات الحزب والعسكر مكانها وتحولت شرعية السطو على السلطة محل الشرعية القانونية، وتحولت السلطة الى غنيمة ومع الوقت يخلقون شرعية في كل مرحلة: شرعية العدو، شرعية الوطن في خطر، شرعية الثورة والخ.
أما الذين يأتون بالوراثة والسلالة فليسوا أفضل منهم.
عادة يجد الطاغية العربي القادم من ثكنة أو زقاق أو مقهى نموذجاً جاهزاً لأنه بلا خبرة في ادارة الدولة والسلطة ويطبقه كما وجد صدام حسين في الستالينية والنازية تجارب جاهزة واستعار من ستالين فكرة تصفية الرفاق والقصور السرية والحرس الخاص والغاء الحزب ، وفي الوقت نفسه أخذ من هتلر مؤسسات الشبيبة ومنظمات النساء والطلاب والفتوة لخلق مجتمع جديد على انقاض المجتمع التقليدي.
وكل الطغاة العرب بلا استثناء يأتون من خلفيات عائلية متواضعة أو حتى معدومة ولأنه غالباً يأتي من المقاهي أو الثكنات أو الحانات أو الشوارع الخلفية ، لذلك يعرف كيف يقرأ الناس: كان صدام حسين قد قال في خطاب حرفياً” رفاقي في القيادة يحسدوني على فهم الناس”.
كان صدام حسين يكره أصحاب الإختصاص والمستشارين ولا يقترب منهم كما انهم لا يقتربون منه لذلك يتخذ قرارات خرقاء يدفع ثمنها الابرياء من القادة أو الشعب ويتحول دمار وطن وجيش وثروة الى مؤامرة فاشلة في قتل القائد الملهم ونجاة أمل الأمة.
ولأنه يأتي من هذه الأمكنة التي تصقل شخصيته، يعرف كيف يبني شبكة ولاءات كما كان يفعل في الشوارع، وينقل تقاليد عالم الشقاوات الى السلطة وتصبح جزءاً من تقاليدها كالغدر بالرفاق مثلاً وتقليص السلطة الى سلطة الرجل الواحد المحاط بحاشية من الأقارب ومن حراس أجلاف ويبدأ بنسج سيرة ذاتية جديدة تعود في النهاية الى أصل مقدس في تلاعب بعقول الناس.
العصابة والايديولوجيا السياسية لا تؤمن بالتعدد ولا المنافسة حتى في شارع أو بار أو في سجن أو مقهى ولا تقبل الشراكة وتحجز الزمان والمكان ولا أنصاف حلول وإما الكل أو لا شيء سواء كانت في سلطة أم في معارضة، في داخل الوطن أم في المنفى لأن العقل السياسي الرث نفسه.
ولأنه من أصل متواضع بلا ثقافة فكرية عميقة بل من خلفية سياسية شعاراتية مبسطة، يبدأ في التعويض وخلق بيئة مناقضة للأصل كإنتقام من الماضي ــــــــــــ قصور، حفلات، ولائم، مهرجانات ــــــــــــــ وحسب عالم النفس الفرد أدلر ان هذا التعويض كالهاوية لا يقف عند حد بل يتحول الى شهوة مطلقة لاثبات أنه ليس وضيعاً حتى لو كان قادماً من أب مجهول، فسيتولى المؤرخون الانتهازيون ربطه بسلالة تاريخية ويتحول الى منقذ ومخلص.
أما رفاقه من إصول ارستقراطية أو عوائل ثرية أو حتى من الطبقة الوسطى فلا يحتاجون الى مشقة إثبات الذات لأنهم لا يعانون من عقدة الشعور بالدونية كما الطاغية وغالباً ما يكونون أقل ميلاً للعنف واذا رفضوا العنف بكل صوره يقوم باستبعادهم أو التخلص منهم لأنه يعاني من رهاب فقدان السلطة التي أخذها بالقوة ومع الوقت تنمو فيه غريزة التوحش ويصبح هاجس العودة الى الماضي كابوساً مسيجاً من الحرس الخاص والأمن والمخابرات والجواسيس ويتحول الى عجلة ضخمة مسننة تسحق كل من يقف في طريقها وحتى الرفاق يصبحون أعداءً لو لم يمارسوا القتل. في عالم الطاغية الشرقي الرفيق هو شريك جريمة وليس صديقاً وتصفية الرفاق ليست جريمة بل” ضرورة” سياسية من قاموس خاص به.
عادة يكون الطاغية أكثر موهبة في مخاطبة الحشود لأنه جاء منها ويعرفها ويتحدث بلغتها الشعبية ومفرادتها البسيطة عكس رفاقه من طبقة مختلفة يلتزمون بقواعد الخطاب وأخلاقيات اللغة التي جاؤوا من طبقتها لكن الطاغية يتجاوز ذلك لأنه لا يخاف من أحد أو جماعة بعد أن سيج نفسه بالحراس والأسلحة والحلفاء بل يتفاخر في أنه حطم النظام القديم وأسس لجديد وتلك هي” المبادرة الثورية” كما يطلق عليها.
اختراق المجتمع العربي سهل لأنه بلا مصدات وقائية ولا مؤسسات قانونية وسياسية حامية ولا تقاليد تداول سلطة، لذلك يتحول الطاغية الى نجم من خلال احياء أسطورة الرجل القوي ــــــــــــــ وليس المؤسسة القوية ــــــــــــــ وهذه الأسطورة مستقرة في الوعي الجمعي منذ عصور ولا يكتفي بالسيطرة على الواقع بل على الخيال ويحول معاناته القديمة كإبن شوارع أو عصابة أو حزب فاشي الى تاريخ مقدس بل حتى جرائمه في الاغتيالات تتحول الى افلام والى مواقف بطولية ولوحات وقصائد ومناهج ويتحول من طاغية الى مجتمع.
ومع الوقت يتحول من زعيم الى رؤيا ــــــــــ جاء من النور الى الظلام ــــــــــ لكن التاريخ أثبت العكس، ومن عضو في عصابة الى ملهم ومنقذ، ومن الزعيم القائد الى الأب القائد، أي يجمع بين السلطة السياسية والأبوية معاً، لذلك لا غرابة في أن يتم تشبيه هؤلاء بالخلفاء أو قادة التاريخ كنبوخذنصر أو صلاح الدين واللعب على الذاكرة.
بهذه الصورة لم يعد يحتاج الى تفويض او انتخاب لأنه موكول من التاريخ أو الغيب في مهمة انقاذ وطن أو أمة ، والجماهير بدورها تخلصت من المسؤولية التي صار القائد الملهم يحملها بالانابة،
وبلا بصيرة يحولونه الى إله أو امبراطور لكن التاريخ يعاقب هؤلاء عندما يصبح الزعيم المنقذ الملهم هو من سيدمر الوطن بعد أن مزق النسيج الاجتماعي وخلق تراتبية الولاء بدل الاستحقاق وحلت القرابة محل الكفاءة وقسم الناس الى موالين وأعداء وأسس للنفاق العام في تحويل الجمهور الى موالين في الظاهر والى حاقدين في السر، وجعلهم ينزلون الى قيعان نفسية سرية وعالم سفلي يحققون أحلامهم ورغباتهم، وعندما ينهار النظام لسبب ما، بحرب أو من عصابة معادية بعنوان أنيق آخر، تنفجر كل هذه التناقضات العدائية المكبوتة.
عندها سيعتقد كثيرون أن المجتمع تغير وفي الحقيقة هي أقنعة سقطت ومخلوقات خرجت من السر الى العلن وتتحول الكراهيات المدفونة الى عمليات انتقام ويصاب الجميع بالصدمة من الجار والصديق والزميل الذين ظهروا بوجوه جديدة ومعادية كما لو في نهاية حفل تنكري ونزع الأقنعة.
حارس السلالة الزعيم الملهم وأمل الجماهير لا يموت عندما يموت أو يُقتل لأنه نسق ثقافي وعقلية وتاريخ وتراث وستعيد الجماهير انتاجه من جديد بعناوين وأسماء جديدة لأن المعضلة ليست في الطاغية بل في البنية الذهنية والبيئة والرحم والحاضنة التي لم تتغير.
ولأن البديل عن الطاغية لم يأت من شرعية قانونية وانتخابات حقيقية بل من حرب أو انقلاب أو توافق دولي، ولأنه ترك خلفه فوضى عارمة وأحقاداً وضغائن وصحر العقول والمؤسسات ، فهذا القلق يدفع الناس للبحث عن الرجل القوي مرة أخرى أو الجماعة القوية، لكي تقع تحت سلطة طغاة هذه المرة لأن ذهنية القابلية للاستبداد لم تتغير.
السلطة السياسية نتاج السلطة الاجتماعية والطاغية الابن الشرعي للمجتمع لكن المجتمع يُصدم به كما تُصدم أم بولادة مسخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى