
عليٌّ
حين كان السيف فكرةً لا دمًا،
والعدل يمشي بلا عكاز،
ابن عمّ النبوّة فتح عينيه
فلم يرَ الدنيا، بل أبصر الله يمر
في وجه محمّد،
فاتّخذ المعنى وطنًا،
وجعل من كل حجر قوس قزح
يمشي فوق جسرٍ من صمت.
عليٌّ حين نامت السيوف،
كان السهر اسمه،
يحرس الحلم من شظايا الليل،
ويغلق باب المدينة
إلّا على الضوء الخافت الذي لا يهمس إلا بالحقيقة.
إذا تكلم انحنى المنطق،
وإذا سكت تعلّم الصمت كيف يولد الكلمات من دموع الجرح.
في يده كان الحديد يتذكّر أصله،
وفي قلبه كانت الرحمة تزرع الشجاعة
كما يزرع الليل القمر في أفق بعيد.
زوج فاطمة،
حين صار الحب فرضًا،
وأب السبطين، حين انقسم النور،
طفلين يلعبان في ظل الرسالة،
وكأن العالم كله تجمّد ليحفظهما من الزمان.
عليٌّ
ليس حكاية نصر، بل ميزان زمن،
كلّما مال التاريخ عدنا إليه
لنستقيم،
ونعيد ترتيب الفوضى بين الذكرى والغياب،
بين الظل والنور، بين الصدى والهمس.
يمضي وسط فتن تشبه الضباب،
ثابتًا كآية لم تُؤوَّل،
يعرف أن الطريق إلى الله
لا يُفرش بالهتاف بل بالصبر،
وأن الصمت أحيانًا أسرع من الضوء.
حين تشابهت الرايات،
وقف وحده،
يسأل المعنى لا العدد،
ويختار الخسارة حين تكون النجاة،
كحبر يكتب على ماء يتبخر.
في ليله كان الخبز أسرع من اسمه إلى الفقراء،
وكانت دموع الأرامل تعرف كفه قبل الدعاء،
والنجوم تتعلم من صمته،
والريح تسأل عن معنى الرحمة.
وحين طُعن، لم يسقط،
بل سقط العالم من حوله،
وسقطت معه آخر فرصة ليتصالح السيف مع الحكمة،
وقال وهو يعبر من جرح إلى حق:
فُزتُ ورب الكعبة،
كأنّه لم يمت،
بل أعلن أن العدل لا يُهزم وإن قُتل،
وأن الموت مجرد قوس قزح يمر فوق الليل.
فيا عليّ،
يا من علّمتنا
أن الحق لا يُقسّم،
وأن السيف إذا انفصل عن الحكمة صار ضبابًا،
وأن الاسم إذا صار راية صار صدى في الريح.
علّمتنا
أن الخلاف حين يُعبد يصير صنمًا،
وأن الدم لا يُقيم دينًا،
وأن محمّدًا لم يأت ليورّث الانقسام
بل ليجمع القلوب على نور واحد،
نور لا يموت إلا إذا نسينا النظر.
ننظر حولنا فنراك غائبًا فينا،
لا لأنك رحلت،
بل لأننا اختلفنا عليك،
ونسيناك،
ونحن نلعب بين ظل وماء،
ونفقد الطريق في أصداء الأمس.
اللهمّ،
نبرأ إليك من فرقة مزّقت اسمك بيننا،
ومن رايات علا صوتها وخفت فيها الحق،
ومن ألسنة تشق الليل بلا ضوء.
نبرأ إليك من إسلام بلا أخلاق،