
مقدمة: عاصفة تلوح في الأفق
كانت دمشق عاصمة الدولة الأموية في عام 132 هـ (750 م) تعيش حالة من القلق المتصاعد. الخليفة مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، يجلس على عرش يتزعزع تحت وطأة الثورات المتتالية. في الشرق، كانت دعوة العباسيين تكتسب زخماً متصاعداً بقيادة أبي مسلم الخراساني، وقد أطاحت بالفعل بالحكم الأموي في خراسان وبلاد فارس، وهي تتجه الآن غرباً نحو قلب الدولة.
شخصيات المعركة المصيرية
من الجانب الأموي:
· مروان بن محمد (مروان الثاني): الخليفة الأموي، الملقب بـ “مروان الحمار” لقوته وصبره في الحرب، قائد عسكري مخضرم قضى سنوات في قمع الثورات في أرمينية وأذربيجان.
· ابناؤه وقادته: الذين شكلوا نواة جيشه المكون من الجند الشامي المخلص لبني أمية.
من الجانب العباسي:
· عبد الله بن علي: عم أول خليفتين عباسيين، قائد الجيش العباسي الغربي.
· أبو عون عبد الملك بن يزيد: وأمراء آخرون تحت قيادته.
· الجيش العباسي: مزيج من الفرسان العرب والمقاتلين المتحمسين من خراسان بقيادة أبي مسلم.
السبب المباشر للمعركة
بعد سقوط الكوفة بيد العباسيين، واستشهاد إبراهيم الإمام في سجن مروان، تسلم أبو العباس السفاح الخلافة في الكوفة. أرسل السفاح عمه عبد الله بن علي على رأس جيش ضخم لمواجهة مروان الذي كان يحشد قواته في حران.
قرر مروان الخروج بجيشه من حران والتوجه شمالاً نحو الموصل، حيث نزل على ضفاف نهر الزاب الكبير (في منطقة تقع اليوم بين أربيل والموصل في العراق). اختار موقعاً استراتيجياً يحميه النهر من جانب.
في المقابل، عبر عبد الله بن علي بجيشه نهر الزاب واصطفت الجيوش المتعاركة على ضفتيه.
المعركة الفاصلة: 25 جمادى الآخرة 132 هـ (11 يناير 750 م)
اليوم الأول: المناوشات والاستعدادات
يصف الطبري بداية المعركة: “فنزل مروان بن محمد على الزاب، وعبد الله بن علي على الجانب الآخر، وبينهما النهر”.
بدأت المناوشات باستعراض القوة، حيث تبادل القادة الرسائل والتهديدات. حاول مروان استغلال خبرته العسكرية، بينما اعتمد العباسيون على حماس جنودهم وتخطيطهم الدقيق.
التحول الحاسم: خيانة في الصفوف
عندما بدأت المواجهة الحاسمة، حدث ما لم يتوقعه مروان. فكما يذكر الطبري، انقلب يزيد بن عمر بن هبيرة – أحد قادة مروان – بجنوده وانضم إلى العباسيين. هذه الخيانة كانت ضربة قاصمة للجيش الأموي.
سأل مروان بدهشة: “ما له؟” فأجابه أحد المقربين: “يا أمير المؤمنين، قلبه معهم منذ اليوم!”
انهيار الجيش الأموي
تفكك نظام الجيش الأموي سريعاً. القوات المتبقية بدأت في الفرار، ولم يتمكن مروان من إعادة تنظيم صفوفه. حاول الصمود مع مجموعة من الموالين الأوفياء، لكن الهزيمة أصبحت حتمية.
يصف الطبري مشهد الهزيمة: “فلما رأى مروان الهزيمة، ولّى هارباً، وتبعته خيل العباسيين”.
المطاردة والمصير
فرار مروان
فر مروان باتجاه الموصل ثم إلى حران، فدمشق، ففلسطين، فمصر. كان يلاحقه العباسيون في كل مكان. حاول جمع أنصاره مرة أخرى لكن الوقت كان قد فات.
سقوط دمشق
دخل عبد الله بن علي دمشق دون مقاومة تذكر في 25 رمضان 132 هـ (أبريل 750 م). وهناك أعلن نهاية الحكم الأموي رسمياً.
النهاية المأساوية لمروان
لاحق العباسيون مروان حتى مصر، حيث حاصروه في قرية تسمى “أبوصير” بالقرب من الفسطاط. هناك قُتل في معركة أخيرة في 27 ذي الحجة 132 هـ (5 أغسطس 750 م). تقول الروايات أن رأسه أرسل إلى الخليفة العباسي أبو العباس السفاح.
ما بعد المعركة: نهاية عصر وبداية آخر
القضاء على البقية الباقية
أمر العباسيون بملاحقة الأمراء الأمويين والقضاء عليهم. أشهر هذه الأحداث كانت مأدبة الدم في مدينة أبو فطرس (الرملة) حيث دُعي الأمراء الأمويون إلى وليمة ثم قُتلوا وهم جالسون على موائد الطعام.
الناجي الوحيد
تمكن عبد الرحمن الداخل (حفيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك) من الفرار إلى الأندلس، حيث أسس هناك الدولة الأموية في الأندلس عام 138 هـ (756 م)، محافظاً على استمرارية رمزية للنسب الأموي.
أسباب الهزيمة الأموية في تحليل الطبري
يقدم الطبري في تاريخه تحليلاً لأسباب سقوط الدولة الأموية:
1. ضعف الولاء للدولة: نتيجة الظلم والاستبداد في أواخر العهد الأموي
2. الانقسامات الداخلية: الصراع بين القيسية واليمنية
3. الثورات المتتالية: ثورة الزبيريين، والخوارج، وثورة زيد بن علي
4. بروز القوة العباسية: التنظيم الجيد والدعاية الفعالة بقيادة أبي مسلم الخراساني
5. تبني شعار “الرضا من آل محمد”: الذي جذب العديد من المسلمين المستائين من الحكم الأموي
خاتمة: تحول في مسار التاريخ الإسلامي
انتهت معركة الزاب بفصل واحد من أهم فصول التاريخ الإسلامي، وفتحت باباً لفصل جديد. سقطت الدولة الأموية التي حكمت العالم الإسلامي لمدة 91 عاماً (41-132 هـ / 661-750 م)، لتحل محلها الدولة العباسية التي نقلت مركز الخلافة إلى العراق، وأدخلت العالم الإسلامي في عصر جديد من الازدهار الثقافي والعلمي، مع تغييرات عميقة في طبيعة الدولة والمجتمع.
كانت معركة الزاب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت تحولاً حضارياً نقل مركز الثقل الإسلامي من العالم العربي السوري إلى العالم العربي العراقي الفارسي، مما شكل بداية لعصر ذهبي جديد في التاريخ الإسلامي.