الأمير محي الدين: نبع الإبداع المتدفق..وصخر تطاوين الشامخ في سماء التراث….بقلم محمد المحسن

-الإبداع ليس ترفا،بل هو السجل النابض للهوية،والدفاع الأخير عن ذاكرة المكان أمام عوادي النسيان والابتذال..( الكاتب)
في أعماق الجنوب الشرقي التونسي،حيث تمتزج رمال الصحراء الذهبية بألوان السماء عند المغيب، وتهمس قصص التاريخ عبر جدران القصور العتيقة،تنبض روح تطاوين بإيقاعات خاصة.وإذا كانت الأرض تحكي حكاياتها، فإن الرجال العظام هم من يحفظون لحن هذه الحكاية وينقلون أصداءها عبر الأجيال.وفي مقدمة هؤلاء الرجال، يقف الأمير محي الدين شامخا كالنخلة،متجذرا في تربة وطنه،متفرعا بعطائه في سماء الإبداع، حاملا في ذاكرته نبض تاريخ جهة بأكملها،وفي فنه سرّ هويتها وروحها.
إن الأمير محي الدين ليس مجرد اسم يُذكر،بل هو مؤسسة ثقافية وإرث حي يمشي على الأرض.فهو شخصية اعتبارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ يمثل بمسيرته وعطائه وجها مشرقا ومرجع أصيلا لكل من أراد أن يفهم روح الجنوب وعبق تراثه.
لقد عايش محطات تاريخية حاسمة في تشكل ذاكرة تطاوين الحديثة،فكان شاهدا حيّا ومساهما فاعلاً،يحمل بين طيات ذاكرته خرائط من الزمن الجميل وأصداء تحولات العصر.
في المشهد الثقافي والموسيقي،يملك الأمير محي الدين رصيدا إبداعيا هائلا،صنعه عبر عقود من العطاء المتواصل.فهو المخضرم الذي خبر المسارات كافة،وتنقل بين ألوان الفن بنهم الباحث وبراعة الصانع.وإذا كان الفن مرآة المجتمع،فإن الأمير محي الدين كان حارسا أمينا لهذه المرآة، فانعكس من خلال إبداعاته التراث الشعبي بكل تفاصيله الجميلة: من أهازيج الأفراح إلى حكمة الموروث،ومن ألحان السمر إلى إيقاعات الحياة اليومية.
ولعل أبرز ما يميز مسيرة هذا المبدع الشامخ هو بصمته المتفردة في مجال المدائح والأذكار.فقد أبدع في هذا الفن الروحاني بألوانه الخاصة والمميزة،محولا المناجاة والذكر إلى لوحات صوتية تلامس القلب وترتقي بالروح.صوته وشعره في هذا المجال لم يكونا مجرد أداء فني،بل كانا جسرا بين الأرض والسماء،وبين الماضي الديني العميق والحاضر المنفتح على القيم النبيلة.
ولا تنحصر عظمة هذه الشخصية في المجال الفني وحده،فقد كان الأمير محي الدين أيضا رياضياً عتيقا من الرعيل الأول،يجسد القوة البدنية والنبل الرياضي،مكملا بذلك صورة الإنسان المتوازن الذي يجمع بين قوة الجسد ورقّة الفن وسمو الروح.والأجمل من كل ذلك،أن كل هذا العطاء لم يتوقف عند حد السن،فما زال نشاطه الحيوي والإبداعي متواصلا،يثبت أن الإبداع شعلة لا تخبو،وأن العطاء روح لا تشيخ.
واليوم،فيما تكون جهة تطاوين على أبواب المهرجان الدولي للقصور الصحراوية،هذا الحدث الثقافي العالمي الذي يسلط الضوء على كنوز المنطقة،يغدو من الواجب الوطني والثقافي والأخلاقي أن يُسهم هذا القامة الإبداعية الشاهقة في تأثيث برنامجه.إن استضافة الأمير محي الدين،خاصة في “سهرة الموقف الغنائية” التي أبدع فيها وعرف بها وألهب حماس الحضور في مناسبات لا تُعد ولا تحصى،ستكون إضافة نوعية وضمانة لأصالة الفعالية.فالأمير لا يقدم فنا فحسب،بل يقدم ذاكرة جماعية وذوقا رفيعا في اختيار الفقرات ونسج خيوط السهرة ليصبحها نسيجاً واحداً متناغماً.
إننا،ونحن نتأمل هذا التاريخ الحافل،نوجه دعوة صادقة إلى السلط الجهوية وكل المهتمين بالشأن الثقافي بتطاوين،لتبني مبادرة تكريم هذا المبدع المخضرم،الابن البار لجهة تطاوين.إذ يجب أن يكون هذا التكريم اعترافا مؤسسيا وجماهيريا بعطاء رجل كرّس حياته لخدمة تراث منطقته والارتقاء بمشهدها الثقافي.فالأمير محي الدين ليس ماضيا نستذكره،بل حاضرا نستلهم منه، وجسرا نعبر من فوقه نحو مستقبل إبداعي واعد.
إن تكريمه هو تكريم لكل الرواد المبدعين وحاملي مشعل الإبداع عبر السنين الطوال،وهو رسالة للأجيال الصاعدة من أبناء تطاوين السائرين على درب الفن والموسيقى والإبداع،مفادها أن الإخلاص للهوية والوطن والتراث هو طريق الخلود في قلوب الناس وذاكرة المكان.
في الختام،لا يسعنا إلا أن نرفع تحية إجلال وإكبار للأمير محي الدين.تحية لرجل صاغ من ألحان التراث قصيدة حبٍّ لوطنه،وتحية لعطاء متجدد كبحر الصحراء الواسع،يظل نبعا يروي ظمأ الأجيال للجمال والأصالة.
فليظل رمزا شامخا،وليبقى صوته الندي دليلا يهدي كل من أراد أن يعرف سرّ جمال تطاوين الخالد.
في الختام،نقف أمام مفارقة وجودية تظلّ تؤرق ضمير الأماكن والحضارات: كيف لمدنٍ تتباهى بجمال حجارتها وتاريخ صروحها،أن تتنكّر للأرواح التي نحتت من صخور واقعها جمالاً أكثر بقاء؟ كيف لبلادٍ تروي أمجاد ماضيها،أن تشيح بوجهها عن حُماتها الأحياء الذين نسجوا بوجدانهم خيوط هذا المجد؟!
الأمير محي الدين،كما غيره من العلامات النادرة، لم يقدم إبداعه لمنصب أو مقابل،بل قدّمه كقربان حب لوطنه وتراب منطقته.لكنّ الوطن،في تجلياته المؤسسية والرسمية،كثيرا ما ينسى أبناءه المخلصين في لحظات احتفائه بذاته.يبقى المبدع شمعة تحترق لتنير للآخرين دروب الهوية،بينما تظل ظلاله غائبة عن ساحات التكريم الرسمي، وحضوره مُقتَصَرا على قلوب الناس وجداران الذاكرة الجماعية التي لا تُطمس.
إنَّ المدن التي تتجاهل مبدعيها،تفعل أكثر من مجرد إهمال أفراد،إنها تقطع أوصال روحها، وتخون سرديتها الحقيقية.فالإبداع ليس ترفا،بل هو السجل النابض للهوية،والدفاع الأخير عن ذاكرة المكان أمام عوادي النسيان والابتذال.
فليكن في قصّة الأمير محي الدين،وفي مصير كل مبدع مغمور،ناقوس يدقُّ في ضمير كل مدينة وكل بلد: لن تكون الأماكن عظيمة بحجارتها،بل بأناسها الذين يمنحون الحجر روحا،والتراب معنى، والزمان أغنية.والخلود الحقيقي ليس في الصروح التي تبنى،بل في العدالة التي تُمنح لأصحاب الأيادي التي بنت،والأصوات التي غنّت،والأرواح التي أبدعت.فهل تسمع المدن هذا النداء،أم ستظلُّ وجوهها مشرقة نحو ماضيها،بينما ظهرها مُدوٍّ لأبنائها الذين يصنعون حاضرها ويحفظون سرَّ خلودها..؟!
ويظل السؤال حافيا،عاريا..ينخر شفيف الروح..