
لم أكن عرافا أو منجما عندما حسمت القول بأن أمريكا لا ترغب في إسقاط النظام الإيراني وهو القول الذي أكدته في العديد من مقالاتي وخلال حلقاتي ومشاركاتي التلفزيونية بالتزامن مع الحرب الإيرانية – الإسرائيلية في يونيو من العام الماضي والتي امتدت لنحو 12 يوما كما قلت به مجددا بالتزامن مع تصعيد التصريحات الأمريكية المناوئة لإيران على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في الثامن والعشرين من ديسمبر 2025.
وكان قد راهن الكثيرون على أن أمريكا ستوجه ضربات عسكرية قاصمة بهدف إسقاط النظام الإيراني وهو ما خالفته مؤكدا أن الضربة الأمريكية – في حال وقوعها – فلن تكون بهدف إسقاط النظام وإنما هي واحدة من أدوات سياسة “الضغوط القصوى” التي يمارسها دونالد ترامب بحق إيران منذ توليه قيادة الولايات المتحدة.
ولقد استندت في هذا الحسم إلى الفهم والوعي بكيفية تعاطي الإستراتيجية الأمريكية مع الدولة الإيرانية الخمينية منذ نشأتها في العام 1979 إذ قررت واشنطن أن تتخذ من إيران المخالفة لها ظاهرا دولة وظيفية لتحقيق العديد من الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية وهو ما كان بالفعل على مدار أكثر من 45 عاما تؤكد ذلك العديد من الشواهد التي أشرنا إليها مرارا قبل ذلك .
كما لم يعد خافيا على المتابعين أن وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي والصادرة عن إدارة الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر 2025 تركز على “أمريكا أولا” عبر تقليص الالتزامات العسكرية واعتماد نهج “القيادة من وراء الستار” وتقليص الحروب غير الضرورية ومن ثم فهي ترفض أي عمل مكلف وغير مجد يهدف إلى تغيير الأنظمة .
يدعم ذلك ما تم رصده في شهر يونيو من العام الماضي وخلال حرب الـ 12 يوما إذ لو كانت أمريكا راغبة بالفعل في إسقاط النظام الإيراني لأمكنها التحرك في هذا الاتجاه خاصة وأن الظرف السياسي والأمني في هذا الوقت ربما كان يسمح بهذا حيث اندلعت الحرب بالفعل وأصبح هناك توترا على أرض الواقع لكن ترامب وبصراحة شديدة أعلن أن إسقاط نظام طهران ليس هو الهدف الأمريكي.
وأهمية هذا الموقف فضلا عن دلالته بشأن عدم وجود رغبة أمريكية لإسقاط النظام تكمن في أنه إذا كانت أمريكا وأمام هواجس قرب تحصل إيران على يورانيوم مخصب بنسبة 90% وتزايد احتمالات امتلاك إيران لسلاح نووي لم تفعل ذلك فهل يمكن أن تقدم واشنطن على هذه الخطوة وقد نجحت في تعطيل البرنامج النووي الإيراني بعد ضرب أهم منشآته؟!
وعليه فإننا لا نعتقد بجدية التصريح الذي كان قد أدلى به ترامب لموقع “بوليتيكو” على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها إيران مؤخرا من أن “الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران” إذ كان يمكن لترامب أن يفعل ذلك في يونيو الماضي لكنه لم يفعل رغم تأكيده مرارا أن أمريكا تعلم أين يختبئ خامنئي.
وهو الموقف نفسه الذي نتخذه إزاء تصريحات ترامب التي توالت على خلفية تصاعد الاحتجاجات الأخيرة والتي أكد خلالها أن واشنطن جاهزة لتقديم الدعم للإيرانيين في مواجهة نظام طهران مهددا النظام بتوجيه ضربة عسكرية إذا استمرت السلطات في قتل المتظاهرين وهو ما لم يحدث أيضا فقد وقع وبحسب التصريحات الرسمية الإيرانية نحو 5000 قتيل بينهم 500 عنصر أمني فيما بلغ العدد وفق بعض التقديرات الصحفية والحقوقية نحو 18 ألف قتيل إيراني فهل كان ينتظر ترامب أن يصل عدد الضحايا إلى مليون قتيل مثلا حتى يمكنه التحرك – في حال كان جادا – من أجل إنقاذ الشعب الإيراني كما ادعى؟
وهذا النفاق الأمريكي ليس جديدا بل هو نمط تاريخي فأمريكا لا يشغلها على الإطلاق الشعب الإيراني أو ما يقع بحقه من انتهاكات فذلك ليس إلا ادعاء لا سند له فعلى مدار العقود الماضية يتعرض هذا الشعب للمذابح والاعدامات والاعتقالات دون أن يحرك العالم ساكنا ومن ذلك ما وقع من مذبحة 1988 التي راح ضحيتها الآلاف عبر محاكمات صورية ومع ذلك لم تتكلم واشنطن بها إلا عندما أرادت الضغط على نظام طهران لتحقيق مصالحها الخاصة.
على كل فإن الذريعة التي كان يمكن أن يتعلل بها ترامب ويتخذها مبررا لتوجيه الضربة المزعومة قد انقضت بعد أن هدأت الأمور في إيران إلى حد كبير مقارنة بما كانت عليه قبل أيام مضت فيما اعتبر أن تراجع إيران عن إعدام نحو 800 من المحتجين سببا يستحق تقديم الشكر للنظام الإيراني.
كذلك فقد كنا ولا نزال نعتقد أن بقاء النظام الإيراني يمثل أحد أهم ركائز تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة إذ نجح ترامب خلال زيارته الأخيرة العام الماضي لبعض دول الخليج في انتزاع صفقات قُدِّر متوسط قيمتها بنحو ثلاثة تريلونات من الدولارات من بينها صفقات عسكرية لتعزيز جيوش هذه الدول وتقوية قدراتها لا في مواجهة الكيان الصهيوني بالطبع بل في إطار تهدئة الهواجس الخليجية من “البعبع الإيراني”.
وهنا أجدني مدفوعا مرة أخرى إلى أن أنصح هؤلاء الذين لا يزالون يصرون على أن يتعاموا أو يتغافلوا عن حقيقية العلاقات الإيرانية – الأمريكية – الإسرائيلية بإعادة قراءة كتاب الأكاديمي الإيراني “تريتا بارزي” والمعنون بـ “حلف المصالح المشتركة” والصادر عام 2007 فهو تأصيل لطبيعة هذه العلاقات القائمة بالأساس على المصلحة بين الأطراف الثلاث.
بناء على ما سبق فلم يكن موقفي بشأن عدم رغبة الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني نابعا من قراءة ظرفية أو انطباع عابر بل من إدراك أعمق لوظيفة هذا النظام في المعادلة الأمريكية الإقليمية فبقاء طهران في صورتها الحالية بخصومتها المعلنة لواشنطن وخطابها الثوري يظل عنصرا وظيفيا في إدارة التوازنات وتبرير الانتشار العسكري وتسويق صفقات السلاح وإدامة مناخ التهديد.
ومع ذلك فلا يعني ما سبق أننا نستبعد على الإطلاق احتمالية أن تسعى أمريكا لإسقاط النظام الإيراني فعلا لكن ووفق اعتقادنا فإن هذا لا يمكن أن يحدث إلا في أحد ثلاث حالات:
الأولى هي أن تصر إيران على تجاوز الخطوط الحمراء وأن تعمل فعلا على امتلاك سلاح نووي فذلك ينقلها من كونها دولة وظيفية إلى دولة تعمل على تحقيق مشروعها الخاص – الذي ليس في صالح العرب – وهو ما يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.
فيما الحالة الثانية أن تنجح أمريكا في إيجاد دولة وظيفية أخرى تقوم بنفس المهام التي كانت تقوم بها إيران ومن ثم تتراجع أهمية إيران وتصبح عبئا يجب التخلص منه.
وأما الحالة الثالثة فهي أن تطمئن أمريكا إلى أنه تم ترتيب الأوراق في المنطقة بشكل جيد بحيث يتم استكمال مشاريع التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني ومن ثم ضمان أمن هذا الكيان.
والحالات الثلاث بنظري لم تتوافر بعد بشكل كامل فإيران تدرك جيدا أن امتلاك سلاح نووي سيفقدها الكثير من أوراق اللعب مع الغرب وأمريكا ولهذا فهي لم تزل حريصة على أن يكون ملف البرنامج النووي مجرد ورقة ابتزاز للغرب تحقق من خلالها الكثير من المكاسب الإستراتيجية.
ومن ناحية أخرى فإن إمكانية وجود دولة وظيفية في المنطقة بديلا عن إيران ليس بالأمر السهل إن لم يكن مستحيلا فالمحددين الأساسيين المتوفرين في إيران لا يتوفرا في دولة أخرى فإيران دولة غير عربية وفي ذات الوقت تتبنى مذهبا دينيا مخالفا للأغلبية في المحيط العربي وهو ما يساهم بشكل كبير في إحداث الاستقطاب واستمرار القلاقل.
كذلك فلم يزل مشروع التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني متأرجحا إذ تراجعت الكثير من الدول العربية والتي كان يفترض أنها على عتبة التطبيع قبل سنوات قليلة عن هذا المسار نتيجة السلوك الصهيوني في المنطقة خاصة بعد تلك الحرب التي شنها الكيان على قطاع غزة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر عام 2023 وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء فضلا عن المصابين.