
كتب:هاني الكنيسي
وبينما تعلقت أنظار الإعلام بجهود المبعوثين الأمريكيين ‘ويتكوف’ و’كوشنر’ في إقناع النتنياهو “المتمنّع” بفتح معبر رفح في الاتجاهين والمضي قدما في “اتفاق غزة” وفق رؤية سيّدهم وتاج رأسهم جميعاً في البيت الأبيض، كان تركيز صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ اليوم على جهود إسرائيل في تبنّي ورعاية “ميليشيات فلسطينية مسلحة” داخل قطاع غزة، لمقاتلة حماس وكسر هيمنتها، “بعدما فشل الحل العسكري المباشر”. وبحسب الصحيفة، يشمل هذا الدعم:
– غطاءً جويًا بطائرات مسيّرة (درونز)
– معلومات استخباراتية حول تحركات عناصر حماس (خصوصاً في خان يونس والمناطق المتاخمة للخط الأصفر).
– إمدادات عسكرية ولوجستية تشمل الأسلحة، والغذاء، وحتى السجائر.
– إجلاء جرحى هذه المجموعات لتلقي العلاج في مستشفيات داخل إسرائيل.
وتكشف الصحيفة الأمريكية أن الجيش الإسرائيلي يتابع نشاط هذه المجموعات “عن كثب”، ويتدخل “عند الضرورة”. فتنقل عن ‘يارون بوسكيلا’ ضابط العمليات السابق في فرقة غزة، قوله “عندما تتحرك هذه الميليشيات ضد حماس على الأرض، نكون هناك للمراقبة، وأحيانًا لتقديم المساعدة الاستخباراتية أو التدخل الميداني”.
إلا أن تحذيرات من “اللعب بالنار”، صدرت من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. إذ حذّر ضابط الاحتياط الرفيع ‘ساعر تسور’ من أن “هذه الجماعات المسلحة لا تأبه سوى بمصالحها الخاصة، وقد تنقلب علينا في أي لحظة”.
المؤكد أن التجربة الإسرائيلية السابقة في دعم «القوات الشعبية» بقيادة ياسر أبو شباب، انتهت بالفشل الذريع بعد مقتله قبل أشهر -مع عدد من قيادات مجموعته- في ظروف غامضة. وتزعم روايات إسرائيلية أن ذلك كان نتيجة صراعات داخلية، بينما أكدت حماس أنها أوقعتهم في “كمين محكم”.
لكن مؤخراً برز اسم حسام الأسطل، الضابط السابق في أجهزة السلطة الفلسطينية، والمتهم منذ التسعينيات بالتعاون مع إسرائيل، والذي فرّ من سجون غزة في بدايات حرب الإبادة.
ويقود الأسطل ما يُعرف بـ”قوة مكافحة الإرهاب” (CTSF)، أو “قوة الصدمة” كما يسميها الإعلام العبري، والتي تتمركز في منطقة ‘قيزان النجار’ بخان يونس (*قيزان جمع قوز وتعني باللهجة الغزية التلال الرملية).
وفي مطلع يناير 2026، تبنّت هذه الميليشيا عملية اغتيال مدير مباحث شرطة حماس في خان يونس، المقدم محمود الأسطل (المفارقة في تشابه اللقب العائلي أو الانتماء لعشيرة واحدة)، بإطلاق النار عليه -نهارًا- داخل سيارته. وظهر بعدها حسام الأسطل في تسجيل مصوّر متوعدًا حماس: “كما وصلنا إليهم، سنصل إليكم أيضًا”.
وتروّج عصابة الأسطل لنفسها كقوة تسعى إلى إنشاء “منطقة إنسانية آمنة” خالية من سيطرة حماس، بينما يري معظم سكان غزة أعضاءها كعملاء خونة أو “أدوات للاحتلال”.
والحقيقة أنه لا يمكن قراءة هذا المشهد “المتناقض” في غزة بمعزل عن تجربة “جيش لبنان الجنوبي(SLA) “، الذي أنشأته إسرائيل عام 1976 بقيادة الرائد سعد حداد (المنشق عن جيش لبنان الوطني)، ثم خلفه بعد وفاته عام 1984 اللواء أنطوان لحد ، بهدف إنشاء “حزام أمني” في جنوب لبنان “ضد المقاومة”.
إذ تلقّى الجيش -الذي عُرف لاحقاً باسم جيش لحد- دعمًا كاملًا (مالياً وعسكرياً) من إسرائيل، لكنه انهار بصورة درامية مع الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000. وانتهت المغامرة كلها بفرار قادته وجنوده إلى داخل إسرائيل، ومحاكمة من بقي منهم في لبنان بتهم “العمالة” (لحد نفسه توفي في فرنسا عام 2015 بعد تعذر إعادة جثمانه في لبنان الذي أصدر بحقه حكما غيابياً بالإعدام) .. لتتحول الميليشيا (العميلة) من “خط دفاع” أو أداة “أمنية” يسخرها الاحتلال للقتال “بالوكالة”، إلى “عبء سياسي” ورمز لفشل استراتيجية الاعتماد على وكلاء محليين بلا “شرعية شعبية”.
ولعل هذا التشابه هو ما دفع نائبة الكنيست ‘يوليا مالينوفسكي’ إلى مهاجمة الحكومة الإسرائيلية بحدة، قائلة: “لا حدود للحماقة والأفكار الفاشلة. نتنياهو يفعل مع هذه الميليشيات الجديدة ما فعله سابقا مع حماس. لا يمكن المطالبة اليوم بنزع سلاح غزة، ثم تزويد ميليشياتها بالأسلحة التي ستصل في النهاية إلى أيدي حماس”.
وفي السياق الأوسع، يرى “العقلاء” أن المشكلة الجوهرية في هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تكمن في “سوء فهم البنية الاجتماعية والسياسية لقطاع غزة”. فالميليشيات المدعومة خارجيًا، مهما امتلكت من سلاح وغطاء، تفتقر إلى الحاضنة الشعبية وإلى “الشرعية”، وسيُنظر دائماً إليها كأدوات وظيفية مرتبطة بالاحتلال، وكصنوان لفكرة الخيانة، وليس كمشاريع بديلة أو أنظمة حكم قابلة للاستمرار .
كما أن تشرذم “الولاءات” وتصارعها داخل هذه المجموعات، وارتباطها العضوي بالمصالح الشخصية والاقتصادية، يجعلها قابلة للاختراق أو الانهيار السريع، أو حتى الارتداد على داعميها.
في المحصلة، تبدو إسرائيل وكأنها تعيد “تدوير” recycling وصفة “مجرّبة الفشل”، مع تعديل في الأسماء والساحات لا غير؛ من “جيش لحد” في جنوب لبنان، إلى قوات أبو شباب “الشعبية”، ثم ميليشيا الأسطل “الصدمة” في غزة.
والنتيجة ستكون واحدة دون شك؛ مزيد من الفشل “بمشيئة الرحمن”.