
البداية: في رحاب القصر الأموي
في دمشق، عاصمة الدولة الأموية المترامية الأطراف، وُلد هشام بن عبد الملك سنة 691م في قصر الخلافة، حيث كانت تختلط روائح البخور الفارسية بأصوات قراء القرآن في المسجد الأموي. نشأ في كنف أبيه الخليفة عبد الملك بن مروان، شاهداً على ازدهار الدولة في عهد والده وأخيه الوليد، ثم الصراعات التي عصفت بها في عهد أخيه الآخر سليمان.
صعود إلى سدة الخلافة
بعد وفاة أخيه يزيد بن عبد الملك سنة 743م، ارتقى هشام سدة الخلافة وعمره اثنتان وخمسون سنة. وجد أمامه دولة تعاني من تمردات متفرقة ومشاكل اقتصادية، لكنه لم يكن رجلاً عادياً – فقد جمع بين حكمة الشيوخ وهمة الشباب، وكان قد تولى إمارة العراق في عهد أخيه، فاكتسب خبرة إدارية وعسكرية نادرة.
إصلاحات هشام: بناء الدولة من الداخل
كان هشام مهندساً حقيقياً لإصلاح الدولة. أدرك أن قوة الدولة تبدأ من اقتصادها، فأنشأ ديواناً للمصانع، وشجع الزراعة بحفر القنوات وإصلاح السدود، حتى قيل إن خراج العراق في عهده بلغ ما لم يبلغ في أي عهد سابق. وعني بتطوير الجيش، فأدخل تحسينات على التسليح والتنظيم.
كان الخليفة رجل علم وحكمة، يقضي سحابة نهاره في سماع شكاوى الرعية، ويخصص أوقاتاً للعلماء والشعراء. يقول المؤرخون: “كان هشام قريباً من الرعية، بعيداً عن الترف، يكره البذخ والإسراف”.
التحديات الخارجية: جبهات متعددة
واجه هشام تحديات كبرى على حدود الدولة:
· في الغرب: واصل الفتوحات في الأندلس، حيث قاد عبد الرحمن الغافقي جيوش المسلمين إلى عمق فرنسا، حتى وصلت إلى مدينة بواتييه.
· في الشرق: واجه خطر الخزر الذين احتلوا أجزاء من أرمينية، فأرسل الجيوش التي استعادت الأراضي وردت الخطر.
· في آسيا الوسطى: واصل القتال ضد الأتراك، وحافظ على حدود الدولة.
لكن معركة بلاط الشهداء (بواتييه) سنة 732م كانت نقطة تحول، حيث انهزم المسلمون بعد قتال بطولي، وتراجعت الفتوحات في أوروبا الغربية.
السياسة الداخلية: حكمة وصرامة
عُرف هشام بالعدل والصرامة. كان يقول: “العدل أساس الملك”. لكنه واجه تحديات داخلية خطيرة، أهمها:
· ثورة زيد بن علي: سنة 740م، ثار زيد بن علي بن الحسين في الكوفة مطالباً بحقه في الخلافة، فقمعت الثورة وقتل زيد، مما زاد من حدة التوتر مع الشيعة.
· اضطرابات الخوارج: واصل الخوارج تمردهم في العراق وإيران، لكن جيوش هشام استطاعت احتواء خطرهم نسبياً.
إنجازات حضارية
في عهد هشام، ازدهرت العلوم والفنون:
· ازدهر العمران، فبني المسجد الأقصى وقبة الصخرة بشكلها الحالي تقريباً.
· شجع حركة الترجمة من اللغات الأجنبية.
· اهتم بالزراعة والصناعة، ونقل زراعة قصب السكر إلى الأندلس.
شخصية هشام: بين القوة والتواضع
كان هشام رجلاً مهيباً، وقوراً، حليماً، لكنه حازم عند الحاجة. يروى أنه كان يمشي في الأسواق متنكراً ليعرف أحوال الرعية. وكان كريماً مع العلماء والفقراء، لكنه شديداً مع المفسدين. عُرف بتقشفه رغم ثراء الدولة، وكان يلبس الصوف الخشن أحياناً.
السنوات الأخيرة والتحديات المتصاعدة
في أواخر عهده، بدأت تتجمع سحب الأزمات:
· ظهور دعوة العباسيين سراً في خراسان.
· استمرار تمردات العلويين.
· تزايد النزعات القبلية بين العرب.
لكن هشام استطاع بإدارته الحكمة أن يحافظ على تماسك الدولة رغم كل هذه التحديات.
الوفاة ونهاية عصر
توفي هشام بن عبد الملك سنة 743م في قصره بالرصافة بعد حكم دام تسع عشرة سنة وتسعة أشهر. بكاه الناس، لأنه كان آخر الخلفاء الأمويين الأقوياء الذين حافظوا على هيبة الدولة ووحدتها.
بعد وفاته، تسلم الخلافة ثلاثة خلفاء في أقل من ثلاث سنوات: الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، مما فتح الباب أمام العباسيين للإطاحة بالدولة الأموية سنة 750م.
إرث هشام: آخر العظماء
يعد هشام بن عبد الملك بحق آخر الخلفاء الأمويين العظام. حكم دولة مترامية الأطراف من حدود الصين إلى جنوب فرنسا، واستطاع أن يحافظ على وحدتها رغم كل التحديات. كان عهده العصر الذهبي الأخير للدولة الأموية، حيث جمع بين القوة العسكرية والرخاء الاقتصادي والازدهار الحضاري.
يقول عنه المؤرخون: “لو طال عمر هشام، أو جاء من بعده مثله، لاستمرت الدولة الأموية قروناً أخرى”. لكن إرثه يشهد على أن الحضارة الإسلامية في عهد الأمويين وصلت إلى ذروة من القوة والازدهار، وكان هشام بحق آخر بناة تلك الإمبراطورية العظيمة.