
نحتاج الى وقت طويل لكي تفهم شعوبنا انها تقاتل وتختلف وتتصارع من اجل مصالح دول كبرى بخلق قضية مزيفةدينية، عرقية، أو أيديولوجية لكي يتحمل المحارب مشقة الحرب بل الموت من اجل قضية حساسة كالدفاع عن “الحرائر” مثلا شعار النظام السابق في حرب الثماني سنوات العبثية؟
هذه العناصر محركة ودوافع عميقة للحرب لكنها تتحول الى أدوات فتاكة لو تم توظيفها لمصالح سياسية واقتصادية.
ما أن يتحول الصراع الى صراع مقدس ــــــــــــــ وهو في الجوهر عن غاز أو نفط أو ثروة أو مواقع نفوذ ـــــــــــ يصبح التراجع عنه غير ممكن وحتى التفاوض يصبح خيانة لذلك يجب أن تطول الأزمة وكلما طالت الأزمة درت ذهباً.
الأزمة لها مراحل مثل أي كائن حي وهناك علم يسمى علم الأزمات: مرحلة كمون الازمة وتفاقمها في السر دون ادراك مبكر ــــــــــــــ أو صناعة الأزمة ــــــــــــــ ثم ولادة الأزمة، وصعودها، ومرحلة الذروة ثم النهاية أو تفكيك الأزمة ولكل مرحلة خصائص يمكن اطالتها او تقصيرها ، رفعها أو تخفيضها، حسب المكاسب السياسية والعسكرية ، كما حدث في احتلال الموصل عام 2014 كمثال.
حروب الوكالة أخطر نظرية حربية قذرة في التاريخ تمارس ضدنا ونحن نبحث عن أسباب الخراب في المكان الخطأ حتى وصلنا الى جلد واحتقار الذات ونقرأ كل حدث أخير على انه جديد ومعزول عن السابق مع انه مشروع متكامل يجري بخطوات هادئة ومنظمة من الغرب الاستعماري وحلف الناتو واسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية معروفة.
ما هو السر في أنهم لا يقتلوننا مرة واحدة بل جرعات؟ وما هو لغز إبادتنا البطي بالتقسيط ؟
في المحاضرة التي القاها البروفسور ماكس مانوارينج خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأمريكية، ومكان المحاضرة اسرائيل في 13 آب، أوغست، 2013 لضباط كبار في حلف الناتو وتم تهريب المحاضرة سراً من عناصر تعتبر اسرائيل دولة ابارتايد فصل عنصري تتكشف بوضوح كل الغاز الخراب الحاصل والذي سيحصل في هذا البلد العربي او ذاك،
وهو ايضاً خبير” الجيل الرابع من الحرب Fourth-generation warfare” حروب الوكالة بأدوات محلية ثم يظهر المصنع المنتج بدور وسيط سلام لكسب نتائج الحرب بالسياسة.
بتعبيره الواضح إن اسلوب الحروب التقليدية صار قديماً، والجديد هو الجيل الرابع من الحرب، وحرفياً والنص له:
” ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم،
أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو: الإنهاك ــــ التآكل البطيء ــــ لكن بثبات، والهدف هو ارغام العدو على الرضوخ لارادتك”.
بلغة التفافية الهدف العسكري الغرض منه تحقيق الهدف السياسي في جعل العدو يرضخ لارادتك. يضيف حرفياً:
” الهدف زعزعة الاستقرار وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة”.
من هم هؤلاء” المواطنون” الأدوات؟ بالتاكيد لا يقصد زرع وتمويل هذه العناصر الشريرة في اوروبا.
” ما يهدد فكرة سيادة الدولة العدو، يقول، هو التحكم باقليم خارج سيطرة
الدولة تتحكم به مجموعات غير خاضعة للدولة، محاربة وعنيفة وشريرة، حرفياً، وهنا نستطيع التحكم، وهذه العملية تنفذ بخطوات ببطء وهدوء وباستخدام مواطني دولة العدو وسوف يستيقظ عدوك ميتاً”.
هذه المحاضرة التي قيل إنها أخطر محاضرة في التاريخ الحديث توضح كل ما جرى ويجري من حروب وصراعات مسلحة أهلية ومن “قوى محلية شريرة ومحاربة وعنيفة”.
لكن كيف تستطيع هذه القوى المحلية ان تهز استقرار دولة من دون دعم سياسي وتسليحي؟ ومن هو الممول المختفي في الظلام؟
بلا شك لا يمكن أن يتم ذلك من “اشرار وعنيفين” من دون خلق” مفهوم القضية” وتوظيف شعارات الديمقراطية والعدالة والحرية وحتى الدين لهذا الهدف أكبر محفز لتحقيقه،
لتحمل مشاق حرب طويلة وتحمل الموت، مع الوعد الآخروي بفردوس هديته الكبرى حفلة جنس والاتباع البهائم ينفذون أهدافاً لا يعرفون عنها شيئاً.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المحاضرة المسجلة في شريط فيديو انقل منه حرفيا هو عبارة:
” الإنهاك، والتآكل البطيء”.
لكن لماذا لا يتم الانهيار السريع بدل التآكل الهادئ والبطيء؟ هذا هو الجزء الأخطر في محاضرة خبير الجيل الرابع من الحرب، أي حروب الوكالة التي ينفذها بتعبيره “مواطنون محليون” بدعم عسكري وسياسي أمريكي ويظهر الممول والمحرك كداعية سلام يريد تخفيض العنف.
التآكل البطيء يعني خراب متدرج للمدن والنفوس والمؤسسات والقيم الاخلاقية وتحويل الناس الى قطعان هائمة، وشل قدرة البلد العدو على تلبية الحاجات الاساسية عن طريق سياسات الحصار الاقتصادي كما حدث في العراق وسوريا،
بل تحويل نقص هذه الحاجات الى وجه آخر من وجوه الحرب حتى الانهيار الكلي والاستسلام، والحصار الاقتصادي الذي يهدم الاساس الاجتماعي،
وهو عمل مدروس ومنظم بدقة يتم عبر مراحل.
البروفسور هو ليس خبير الجيل الرابع للحرب فحسب، بل ضابط مخابرات سابق لا يلقي المحاضرة في روضة أطفال ولا في مركز ثقافي، بل لجنرالات كبار في حلف الناتو، لا تظهر وجوههم في التسجيل.
في عبارة لافتة في المحاضرة يقول بوقاحة مبطنة مخاطباً الجنرالات:
” في مثل هذا النوع من الحروب قد تشاهدون اطفالا قتلى او كبار السن،
لكن علينا المضي مباشرة نحو الهدف”.
بمعنى لا تتركوا المشاعر أمام هذه المشاهد تحول دون” الهدف”.
وهذا هو الاسلوب المطبق في دول عربية. ومرة أخرى السؤال:
لماذا “الانهاك والتآكل البطي بدل اسقاط النظام مرة واحدة؟”.
علينا فحص اللغة الماكرة والمراوغة هنا وبصورة خاصة” الانهاك ـــ التآكل البطيء” وهي الأخطر وقد تم تطبيق ذلك حرفياً من قبل مواطني” الدولة العدو”، وهو تعبير التفافي عن المنظمات الارهابية .
هؤلاء بنادق للايجار وممسحة طاولات ومنافض سجائر وعندما تتفق الدول على مصالح وسياسات يجري التخلي عنهم كنفايات منتهية الصلاحية وحتى قتلهم ، ونظرة على هذه الحركات منذ نصف قرن تقريبا يعطينا الدليل على ان هذه جماعات مستأجرة تقاتل لاهداف لا تعرف عنها شيئاً على وهم انها تقاتل لتحقيق أهدافها وهو المستحيل بل ان الغرب وامريكا تخلت عن زعماء دول حلفاء عندما اهتزت عروشهم وحجزت مقعدا في كراسي النظام القادم.
“الانهاك ــــالتآكل البطيء ـــ سيطرة على اقليم، التحكم، استيقاظ العدو ميتاً”. ماذا يعني؟ استراتيجية الانهاك تعني نقل الحرب من جبهة الى أخرى، من أرض الى أخرى، استنزاف كل قدرات الدولة العدو على مراحل،
وجعل ” الدولة العدو” تقاتل على جبهات عدة محاصرة بضباع محليين من كل الجهات، وتسخين جبهة وتهدئة أخرى، تهدئة جبهة الانبار سابقا وتسخين جبهة الموصل لاستنزاف موارد الدولة وجعلها تركض خلف أشباح،
اي ادارة الازمة وليس حلها لكي لا يتم انهيار الدولة السريع،
لأن الانهيار السريع يبقي على كثير من مقومات ومؤسسات الدولة والمجتمع ويبقي على قيم ثابتة،
وأفضل الطرق هو التآكل البطيء، بهدوء وثبات وعبر سنوات من محاربين
“محليين شرسين وشريرين” كما يقول هو، بصرف النظر عن وقوع ضحايا
أبرياء لأن الهدف وهو السيطرة وتقويض الدولة والمجتمع أهم من كل شيء،
أي محو الدولة والمجتمع عبر عملية تدمير طويلة.
هذا المخطط الذي يعترفون به ويدرّسونه، مطبق وممارس منذ سنوات،
لكن عبر طرق ملتوية ومموهة، ومغطاة بشعارات صاخبة من حقوق الانسان
والديمقراطية،
وهي لا تشمل حسب المحاضر الاطفال والشيوخ والمدنيين العزل الذين سيقتلون، لأن الهدف، السيطرة، هو الأهم.
هل عرفنا الآن لماذا القتل المتدرج، والبطيء، والهادئ، واسلوب ادارة الازمة بدل حلها، ولماذا لا يقتلوننا مرة واحدة؟
لكي تبدو الابادة فعلاً محلياً وصراعاً مسلحاً بين عقائد صلبة ونظم حكم، يتم توزيع السلاح على كل اطرافها، لكي يستيقظ العدو، أي نحن والسلطة والمجتمع، موتى.
الاستراتيجية مستمرة، ومعلنة وممارسة، وأكبر من يغطي عليها ويبحث عن أسباب لهذا المحو المنظم هو نحن مرة بتجريم التاريخ، ومرة أخرى الدين وثالثة ثقافة العنف المتوارثة في الجينات لخلق عقدة الشعور بالدونية،
بل ذهبت كاتبة الى القول ان شعر المفاخرة العربي والفروسية هو سبب هذه الحروب.
من حق ماكس مانوارينج وقادة الجيل الرابع من الحرب، حروب الوكالة،
أن يشربوا الويسكي ضاحكين لأننا نقتل ببطء ونتآكل بهدوء وثبات،
دولة وسلطة مع كل قيم المجتمع، دون أن نعرف وجوه القتلة في الظلام العميق، وهي أكثر وضوحاً من وجوه القتلى،
لكننا نرى الأدوات العنيفة المحلية الشريرة في ساحات الحرب ولا نرى الاصابع الخفية.
لكي تقاتل يجب أن تكره الآخر حتى لو كان جارك أو شريك في الوطن والهوية والأرض والمصير وأن تحوله الى ” شيء” حيث يصبح القضاء عليه واجباً أخلاقياً وما يكسر هذه الحلقة هو الوعي المركب الذي يفرق بين القضية الحقيقية وبين الاستغلال السياسي وعندما يبدأ الناس في طرح الأسئلة عن الأهداف الخفية والنوايا ولكي لا يولد هذا الوعي يتم استعمال استراتيجية الازمات المتلاحقة ، أي خلق الدوامة والمتاهة كل مرة للالهاء والمشاغلة كأزمة كهرباء ونقص حاجات ومشكلة رواتب أو ارتفاع وانخفاض سعر صرف العملة أو خلق قضية سريعة تافهة.
مع إقصاء أو محو ما تسميه وثيقة أمريكية” أصحاب الرؤوس الحارة” من وطنيين أو مثقفين حتى لو تطلب ذلك التصفية الجسدية او الاعمال القذرة كما تنص وثيقة التوجهات السرية الامريكية الخطة الاستراتيجية الجاهزة للعمل من اوائل تسعينات القرن الماضي عن كيفية العمل في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وكيفية التعامل مع نظم حكم غير موالية أو منضبطة واسقاطها وكيف يتأسس النظام الجديد بقواعد أمريكية في الخفاء لمنح الهيبة للحكام الجدد أمام شعبهم مع ان السلطة تدار من السراديب.
ــــــــــــــــ يمكن الاطلاع على ” وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” في كتاب” نادي القتلة: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” للمفكر وضابط المخابرات الالماني مايكل أوبرسكالسكي وصدر الكتاب عام 1998. الوثيقة من 48 صفحة وأهم جزء فيها يهمنا: كيف يكون النظام الجديد بعد اسقاط دكتاتورية غير موالية لأمريكا والغرب.