
أوَّلُهُم: وَرَقُ الخَريفِ العابِرُ
يَحملونَ ألوانَ الوَداعِ قُبَيلَ الغُروبِ..
يَروْنَ الحَياةَ حُلَّةً مُؤَقَّتَةً
يُزيِّنونَ بِها الفُصولَ..
ثُمَّ يَترُكونَها خَلفَهُم كَذِكرَى مَوسِمٍ مَنسِيٍّ.
يَرتَشفونَ ضَحِكَتَكَ في قَلبِ كَفِّهِم،
يَتَهادَونَ كَنَسيمٍ لا يُرَحِّلُ إلّا ظِلَّهُ.
عِندَما تَصْدَحُ بِحُروفِكَ الأوْلَى،
تَجِدُهُم قَدْ نَسَجوا مِن صَمتِهِم مِظَلَّةً..
تَحتَها يَموتُ الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يُولَدَ.
ثَانِيهِم: الأغصانُ.. بَيْنَ الكَسرِ وَالبَقاءِ
هَؤُلاءِ يَمشُونَ باتِّجاهِ الرِّيحِ..
يَحتَضِنونَكَ بِضُلوعٍ تَعرِفُ طَريقَ الألمِ،
كُلُّ انْحِناءٍ في سَاقِهِم حِكايَةُ عاصِفَةٍ مَضَت،
وَكُلُّ وَهجٍ في لَحظِهِم وَعْدَةٌ بِصباحٍ آخَرَ.
يُحاوِلونَ البَقاءَ..
فيَكْسَرونَ، أوْ يُكْسَرونَ..
لَكِنَّهُم يُذَكِّرونَكَ أنَّ الجِراحَ أحياناً..
تُزيحُ الغُبارَ عَنْ نَبْضٍ كادَ يَنطفِئُ.
عِندَما تَغِيبُ..
يَبقَى مِنْهُم صَدىً في عُروقِ ذِكرَاكَ..
كَخَريطَةِ المَطرِ بَعدَ انْتِهاءِ العَواصِفِ.
ثَالِثُهُم: السَّاقُ.. وَحْدَتُكَ المُقاوِمَةُ
أَنْتَ..
الجِذعُ الَّذي يَحمِلُ الحِملَ وَالزَّمَنَ..
بَينَما تَتساقَطُ الأغصانُ وَالأوراقُ حَولَكَ.
تَتَعَلَّمُ العُزلةَ..
لَحنَ الشَّجَرَةِ الوَحيدَةِ في فَلاةٍ.
لَيسَ هُناكَ إلّا صَمتُكَ الطَّويلُ..
وَتَجاعيدُ اللِّحاءِ كَكِتابَةٍ قَديمَةٍ عَلى جَسَدِ الأيّامِ.
هُنا.. حَيثُ لا أحدَ..
تُدرِكُ أنَّكَ لَيسَت مُجرَّدَ مَمرٍّ للعُصافيرِ..
بَلْ أنتَ المَكانُ نَفسُهُ.
رَابِعُهُم: النَّسغُ.. الحُبُّ الخَفِيُّ
إنَّها تَسرِي فيكَ كَسِرٍّ مُقَدَّسٍ..
حُبٌّ لا يَعلَنُ عَن نَفسِهِ..
كَالماءِ الَّذي يَرتَقي في سِرٍّ إلَى الأغصانِ.
هُوَ هَذا الحَنينُ الدَّفينُ..
الَّذي يَمنَعُكَ مِنَ الجَفافِ حَينَ تَقسُو الشَّمْسُ.
هُوَ ذَاكَ الوَتَرُ المُشَدودُ بَينَ الجُذورِ وَالقِمَمِ..
يَنقُلُ بَينَهُما أَلَمَ البُعدِ،
وَشَوقَ اللِّقاءِ..
دونَ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
خَامِسُهُم: الجُذورُ.. الذَّاكِرَةُ الأَزَلِيَّةُ
هَؤُلاءِ..
يَعرفونَكَ قَبلَ أنْ تَعرِفَ نَفسَكَ..
يُمسِكونَ سِرَّكَ في كَفِّ الظَّلامِ الدَّافِئِ..
يَربِطونَكَ بِالأمِّ المَنسِيَّةِ: الأَرْضِ.
مَعَهُم..
تَفهَمُ أنَّ كُلَّ ما فَوقَ التُّرابِ هَشٌّ وَعابِرٌ،
وَأنَّ الحَقيقَةَ كُلَّ الحَقيقَةِ تَحتَ قَدَمَيكَ..
حَيثُ لا ضَوءَ إلّا ضَوءُ البَذوْرِ المُتَأمِّلَةِ.
إنْ غابُوا..
تَبقى وَحدَكَ مَرمِيّاً كَغُصْنٍ يَبحَثُ عَنْ يَقينٍ..
فَتَكتَشِفُ أنَّكَ بِدونِهِم..
لَستَ إلّا ظِلاً يَلتَهِمُهُ الفَضاءُ.
سَادِسُهُم: الثِّمارُ.. مَا نُخلِّفُهُ وَلا نَرَاهُ
نَحنُ نَحمِلُ في أعماقِنَا بُذوراً..
لأشجارٍ لَن نَراها،
وَأزهاراً سَتَتَفَتَّحُ بَعدَ رَحيلنَا.
لِذَلِكَ نُقَاتِلُ كَي نَنضُجَ..
حَتَّى وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ مُرَّاً،
فَقَدْ يَكونُ لِغَيرِنَا عَسَلاً.
وَأخيراً.. العَبَثُ المُتَطايِرُ
هُم غُبارُ الفَصلِ..
ظِلالٌ بِلا أَصلٍ..
أصواتٌ بِلا صَدَى..
يَمرُّونَ كَخَطأٍ في كِتابَةِ الزَّمَنِ.
يَترُكونَ وَراءَهُم فَوضَى الألوانِ..
دُونَ مَعنىً..
دُونَ جَذرٍ..
دُونَ لَمسَةٍ تَستَحِقُّ البَقاءَ.
يَختَفونَ كَما يَختَفي الضَّبابُ عَنْ مَرآةِ الصَّباحِ..
فَتَدرِكُ أنَّهُم لَمْ يَكُونوا حَتَّى يُغادِروا.
لِتَعْلَمْ إذَنْ:
أَنَّا أشجارٌ تَتَحَدَّثُ..
بِلُغَةِ الجُذورِ وَالأغصانِ وَالأوراقِ.
أَنَّ الحَياةَ ليست إلّا تَعَلُّمَ فَنِّ النُّموِّ..
بَينَ عَواصِفَ تَكسِرُ،
وَشُموعٍ تَشتَعِلُ في عُروقِ الغَيرِ.
أَنَّ الجَميلَ فينَا ليسَ ما يَظهَرُ..
بَلْ ما يَبقى سِرّاً في أعماقِ التُّرابِ..
كَوداعَةٍ تَنتَظِرُ،
أو كَجُرحٍ يَتحوَّلُ إلى جَذرٍ.
فَكُنْ شَجَرَتُكَ..
اِحمِلْ جَميعَ هَذِهِ الأصواتِ فيكَ..
وَاصرِخْ بِصَمتٍ في وَجهِ العَواصِفِ:
“أنا لَيسَت لِي غُصونٌ فَحَسْبُ..
أنا المَكَانُ كُلُّهُ..
أنا البَذْرَةُ وَالثَّمَرَةُ..
أنا الوَرقَةُ السَّاقِطَةُ وَالجِذرُ المُتَأصِّلُ..
وَفي النِّهايَةِ..
سَأُعَلِّمُ الأرْضَ كَيفَ تَحمِلُ إِسمِي..
بَعدَ أنْ أَرحَلَ.”