تاريخ العرب

ثورة الزنج: أطول وأعنف تمرد عبيدي في التاريخ الإسلامي

البداية: أرض الملح والدماء
في منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، كانت سهول جنوب العراق (البطائح) بين البصرة وواسط تعيش تناقضاً صارخاً. من نهر دجلة إلى شط العرب، امتدت آلاف الأفدنة من الأراضي السبخة الملحية، تبدو للوهلة الأولى قاحلة لا تصلح للسكن. لكن الواقع كان مختلفاً.
هذه الأرض المالحة كانت تنتج ثروة هائلة: الملح. ولتطهيرها وزراعتها، احتاج الأثرياء وأصحاب النفوذ إلى أيدي عاملة رخيصة لا تخشى الموت. فأتوا بآلاف العبيد من شرق أفريقيا (الزنج)، الذين تم جلبهم عبر طرق التجارة البحرية من زنجبار وسواحل إفريقيا الشرقية.
كانت حياة هؤلاء العبيد جحيماً لا يطاق. يعملون من الفجر إلى الغسق في ظروف قاسية، تحت أشعة شمس محرقة، وأجواء خانقة، وأمراض مستعصية. المياه المالحة تقرّح جلودهم، والجوع ينهش أجسادهم. وكانوا يضربون بالسياط إذا توقفوا عن العمل للحظة. كانت أعدادهم تتراوح بين 15 إلى 20 ألفاً، لكنهم عاشوا معزولين في مستوائات مبعثرة، محرومين من أبسط حقوق الإنسان.
الزعيم الغامض: علي بن محمد
في هذه البيئة المتفجرة، ظهر رجلٌ غامض عام 255 هـ (869 م) يدّعي أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أي من سلالة علي بن أبي طالب. كان شاعراً خطيباً، متنقلاً بين البحرين والبصرة وبغداد، حاول قبلها أن يقود ثورات في عدة مناطق لكنها فشلت.
لكنه وجد في مستنقعات البصرة تربة خصبة لثورته. أعلن أنه “المهدي المنتظر” الذي جاء لينقذ المستضعفين، ووعد العبيد بالحرية والمساواة والثروة. كان خطيباً مفوهاً، استطاع أن يخاطبهم بلغة بسيطة مؤثرة: “أيها المظلومون، ألم يكفِ عذاباً؟ ألم يكفِ إذلالاً؟ الله معنا، والنصر لنا”.
شرارة الثورة
بدأ علي بن محمد بزيارات سرية إلى مناطق العمل، ينظم الخلايا الثورية. وفي شهر رمضان 255 هـ (أغسطس 869 م)، أعلن التمرد رسمياً. كانت الخطة بسيطة: تجميع العبيد، الاستيلاء على الأسلحة، والتحرك نحو البصرة.
لم يأبه السلطان العباسي المعتز بالله في البداية، ظاناً أن الأمر مجرد “شغب عبيد” سينتهي سريعاً. لكنه كان مخطئاً تماماً.
الحرب: تحول العبيد إلى جيش
نجح علي بن محمد في تحويل جموع العبيد المسلحين بالمعاول والفؤوس إلى جيش منظم مقسم إلى فرق، كل فرقة لها قائد. استخدموا تكتيكات حرب العصابات، يعرفون الأرض جيداً بين المستنقعات والقنوات، حيث لا يستطيع الجيش النظامي التحرك بسهولة.
المرحلة الأولى (255-257 هـ): سيطروا على منطقة البطائح بالكامل، وهزموا عدة حملات عسكرية أرسلها والي البصرة. دمروا القرى، وأحرقوا المزارع، وقتلوا ملاك العبيد.
المرحلة الثانية (257-261 هـ): حصار البصرة. في عام 257 هـ، حاصروا البصرة ذاتها – ثاني أهم مدينة في الخلافة – ودمروها تدميراً شبه كامل بعد اقتحامها. يقول الطبري: “قتلوا خلقاً كثيراً لا يحصى عددهم، وسبوا النساء والأطفال”.
المرحلة الثالثة (261-267 هـ): تأسيس الدولة. أعلنوا عاصمة لهم أسموها “المختارة” بناها الزنج بأنفسهم، وكانت محصنة بالخنادق والمياه. ضربوا عملتهم الخاصة، ووزعوا الأراضي على أتباعهم. وسيطروا على معظم جنوب العراق.
نظام الدولة الزنجية
أنشأ علي بن محمد دولة دامت 15 سنة، لها:
· جيش نظامي بفرق مشاة وفرسان.
· جهاز إداري برجال دولة وولاة.
· نظام اقتصادي يعتمد على الزراعة والتجارة.
· عدالة اجتماعية حيث وزعت الأراضي على المقاتلين.
لكن الدولة الجديدة لم تكن مثالية. مارس الزنج أعمال عنف مروعة ضد المدنيين، خاصة في البصرة وواسط. وقتلوا عشرات الآلاف، وسبوا النساء، وارتكبوا فظائع وصفها المؤرخون بتفصيل مروع.
الرد العباسي: من التهاون إلى المواجهة الشاملة
بعد سقوط البصرة، أدركت الخلافة خطورة التمرد. لكن الخلافة كانت تعاني ضعفاً بسبب:
1. صراعات داخلية على السلطة بين الخلفاء.
2. ثورات العلويين في الشمال.
3. تهديد الدولة الصفارية في فارس.
لكن مع تولي الخليفة المعتمد على الله، وتولي شقيقه القوي الموفق طلحة إدارة الدولة الفعلية، تغير الوضع.
المعركة الفاصلة: الموفق طلحة يقود المواجهة
كان الموفق طلحة قائداً عسكرياً فذاً. أدرك أن المواجهة تحتاج:
1. جيش نظامي مدرب بدلاً من الحملات العشوائية.
2. حصار طويل بدلاً من المعارك السريعة.
3. قطع الإمدادات عن دولة الزنج.
بدأ الموفق حملته عام 267 هـ (881 م) بحكمة:
· بناء مدينة محصنة (الموفقية) قرب معقل الزنج.
· قطع طرق الإمداد البحرية والنهرية.
· حصار مطول للمختارة عاصمة الزنج.
سقوط المختارة: النهاية الدموية
دام الحصار عامين كاملين. داخل المدينة، بدأ الجوع والمرض يفتكان بالزنج. وبدأت الخلافات تظهر بين قادتهم.
وفي صفر 270 هـ (أغسطس 883 م)، شن الموفق الهجوم الأخير. يقول الطبري: “دخلوا المدينة وقتلوا من بها قتلاً ذريعاً… ووضعوا السيف في الناس حتى أفنوهم”.
قُتل علي بن محمد، وقُتل معظم قادة الزنج. وأسر من بقي حياً من العبيد، لكن هذه المرة لم يُعيدوهم إلى العمل في الملاحات، بل قُسمّوا على قادة الجيش كعبيد مرة أخرى.
الأرقام المروعة
حسب روايات المؤرخين:
· مدة الثورة: 15 عاماً (255-270 هـ / 869-883 م)
· قتلى المدنيين: يتراوح بين 300 ألف إلى 2.5 مليون (الرقم محل خلاف بين المؤرخين)
· قرى مدمرة: عشرات القرى والبلدات
· أضرار اقتصادية: تدمير شبكة الري الزراعي في جنوب العراق
تحليل أسباب السقوط
رغم طول عمر الثورة، فشلت بسبب:
1. العنف المفرط ضد المدنيين الذي أفقدهم التعاطف الشعبي.
2. الانعزال في منطقة محددة دون التوسع الجغرافي.
3. عدم وجود أيديولوجية واضحة بعد مرحلة التحرر الأولى.
4. تفوق الجيش العباسي أخيراً في التنظيم والتسليح.
الإرث التاريخي
ثورة الزنج تركت ندوباً عميقة في التاريخ الإسلامي:
· اقتصادياً: دمرت منطقة كانت سلة غذاء العراق.
· اجتماعياً: زادت من تشدد الطبقة الحاكمة ضد أي تمرد.
· تاريخياً: أصبحت نموذجاً للثورة العبيدية الفاشلة رغم طول أمدها.
يقول الطبري في ختام حديثه عن الثورة: “كانت هذه الفتنة من أعظم فتن الإسلام، وأطولها مدة، وأشدها على الناس”.
بقي جنوب العراق يعاني آثار الدمار لعقود. ولم تنسَ الذاكرة الجماعية مآسي تلك السنوات، حيث اختلطت مظلومية العبيد بفظائع الثوار، في ملحمة تراجيدية تذكرنا بأن الظلم يولد عنفاً قد يفوق الظلم نفسه، وأن التحرر الحقيقي يحتاج إلى أكثر من مجرد الثورة على الأسياد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى