رؤي ومقالات

محمد المحسن يكتب:التجربة التونسية على المحك

“ليس بين الرصاص مسافة..هذه تونس التي تتحدى.. وهذا الوعي نقيض الخرافة..” ( مظفر النواب-بتصرف طفيف)

-القضايا العادلة تحتاج إلى السياسة الصائبة..أكثر من حاجتها لقبور الشهداء..

في قلب العتمة العربية،حيث تتهاوى الدول في أتون العنف والانقسام،تقف تونس شمعة تتلألأ بإصرار.ليست شمعة تُعلّق كوسام انتصار،بل مشعل يُحمَل بيد قد تُحرق من وهجه.لقد نجت الجمهورية الفتيّة من المصير المأساوي لجيرانها، محتفظة بجوهر دولة وتماسك مجتمع،لكنها اليوم تواجه امتحانا وجوديا من نوع آخر: فبعد أن برهنت على قدرة نادرة في تفادي الانهيار،عليها أن تثبت الآن مقدرة أعوص على البناء.إنه التحوُّل من منطق “النجاة” إلى فلك “الخلق”،من صيانة السلم الأهلي إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد، ومن براعة تفادي الموت إلى جرأة إبداع الحياة. هنا،على هذا الحَرِّف الدقيق،حيث يلتقي إشعاع الاستثناء بظل العطالة،تكمن المعضلة التونسية المصيرية: كيف تتحوَّل قصة الصمود السياسي إلى ملحمة نجاح تنموي؟ وكيف تتحرَّر زهرة الياسمين من سجن الانتظار اللامتناهي لتتفتح في بساتين التألُّق؟ هذا هو السؤال الذي لا يجيب عنه مقال،بل تجيب عنه إرادة شعب يكتب،بصبر وألم،فصلا جديدا من فصول دخول العرب التاريخ من باب العقل والكرامة.
وإذن..؟
قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن التجربة التونسية،برغم كل العثرات والأزمات،تمثل-كما أشرت-إشعاعا نادرا في ظلام المنطقة العربية المضطرب.فهي لم تنزلق إلى حروب أهلية طاحنة،ولم تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية الدموية،لكنها تواجه اليوم امتحانا وجوديا مختلفا: امتحان القدرة على تحويل الصمود السياسي إلى نجاح تنموي،وتحويل التوافق الهش إلى عقد اجتماعي متين.
إن الخطر الحقيقي لم يعد يكمن في انهيار الدولة، بل في تآكل شرعيتها بفعل بطء الإصلاح وترقيع الإجراءات،مما يهدد بتحويل “الاستثناء التونسي” إلى قصة انتظار لا تنتهي.
والمفارقة التاريخية التي تعيشها تونس اليوم هي أنها تنجح في تفادي المصائر المأساوية لجيرانها، بينما تعاني من أزمات داخلية قد تفضي،على المدى الطويل،إلى نفس النتيجة: تفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الثقة في المشروع الجماعي. لذلك،فإن الخلاص لن يأتي من مناورة سياسية عابرة أو من دعم دولي مشروط،بل من يقظة داخلية جمعية تستعيد روح التوافق الوطني التي أنقذت البلاد في لحظات الهاوية.إنه استدعاء لتاريخ من العقلانية والتقدم،من ابن خلدون إلى الحداد وبورقيبة،ليس لتكرار الماضي،بل لاستلهام جرأة التغيير.
المطلوب اليوم هو انتفاضة وعي جديدة،لا في الشوارع فقط،بل في المؤسسات والأحزاب والنقابات.انتفاضة ترفض منطق “الترقيع الإطفائي” وتصر على تأصيل العدالة بين الجهات والأجيال.
تونس التي هزت العالم بشجاعة شعبها،مدعوة اليوم إلى هزّة أعمق: هزّة بناء دولة توفق بين حتمية الاستثمار وضرورة العدالة الاجتماعية،بين مركزية التخطيط ولامركزية التنمية،بين حرية المطالبة وحقوق الدولة في الحفاظ على مواردها.
والدرس الأعمق الذي تقدمه تونس للعالم العربي هو أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي قدرة مجتمع على إدارة تناقضاته بوسائل سلمية،وحماية مكتسباته من الانزلاق إلى العنف، والسير،ولو ببطء،نحو أفق أفضل.فليكن مصيرها النجاح،ليس لأنها محاطة ببحر من الأزمات،بل لأنها تحمل في تراثها ووعي شعبها بذرة أمل تؤكد أن العرب أيضا يمكنهم دخول التاريخ من جديد، من باب العقل والحوار والكرامة الإنسانية.
وهكذا تظل تونس واقفة على حافة التاريخ، حاملة لواء تناقضها المصيري: فهي نجت من الانهيار،لكنها لم تتحرر بعد من شبح العطالة..!
إنَّ “الاستثناء” الذي صنعته بإرادة شعبها ليس ميدالية تُعلق على الصدر،بل هو مسؤولية تاريخية تُثقل الكاهل.فالتجربة التي بدأت بهزة ضمير جمعي في 2011،مدعوّة اليوم إلى اكتمال دورتها بتفجير طاقة بناء جماعي تعيد صياغة العقد بين الدولة والمواطن،بين الحاضر والمستقبل.
ربما يكون هذا هو الثمن الحقيقي للريادة: أن تظل تونس،في ظلمة المنطقة،مشعلا لا يكف عن التلألؤ حتى وإن كان يحرق يد حامله..! فليس المطلوب منها أن تكون ناجية فحسب،بل أن تكون ناجحة، ليس أن تتفادى الموت،بل أن تخلق الحياة.وفي هذا المسار الوعر،قد تجد تونس خلاصها ليس في تجاوز أزماتها فقط،بل في تحويلها إلى وقود لإشعال عصر تنموي جديد.فالأمل الذي تحمله هذه الأرض ليس ترفا،بل هو ضرورة وجودية لها وللعالم العربي الذي يترقب،بقلب حانيٍ،مصير هذه البذرة التي نبتت في أرض صخرية،والتي يحاول شعبها،يوما بعد يوم،أن يجعل من صمودها زهرة.
وستتفتح هذه الزهرة في بساتين التألق والنجاح، حين تسقى بعرق جباه الرجال..
لست أحلم..لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء،من حسابات راكبي سروج الثورة في الساعة الخامسة والعشرين..!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى