كتاب وشعراء

الرواية الواقعية السحرية بوصفها رؤية أنطولوجية…. بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

تٌعَدّ رواية «التبر» لإبراهيم الكوني، من أنقى النماذج العربية التي تُجسّد الواقعية السحرية بوصفها رؤية أنطولوجية للعالم لا مجرد تقنية سردية.
نموذج تطبيقي: الواقعية السحرية في رواية «التبر» لإبراهيم الكوني
تُعدّ الواقعية السحرية من أكثر التيارات السردية التباساً وثراءً في آنٍ معاً؛ فهي لا تهرب من الواقع، ولا تستسلم له، بل تُعيد كتابته من داخله عبر إدماج العجائبي والأسطوري واليومي في نسيج واحد يُروى ببرودة الواقعي وحياده.
في هذا النمط، لا يُقدَّم السحر بوصفه خرقاً للمنطق، بل كجزء طبيعي من العالم؛ حيث قد يعود الميت ليتحادث مع الأحياء، وقد يلتفّ الزمن على ذاته، وقد تعيش القرية قرناً كاملاً داخل عزلة أسطورية… من دون دهشة سردية، وكأن كل ذلك بديهي.
أولًا: الرواية كحاضنة للواقعية السحرية – مثال «التبر»
تتجلّى هذه الخصائص بوضوح في رواية «التبر»، حيث تتحوّل الصحراء من فضاء جغرافي إلى كيان حيّ، ناطق، ذا ذاكرة وإرادة.
فالرواية، بوصفها جنسًا مرناً، كانت الشكل الأمثل لاحتضان الواقعية السحرية لأنها:
تسمح بتراكب الأزمنة (زمن الأسطورة، وزمن القبيلة، وزمن الفرد).
تستوعب الميثولوجيا الصحراوية والذاكرة الجمعية للطوارق.
تمنح المهمّش صوتاً كونياً يتجاوز المركز الحضري.
في «التبر»، لا تُقدَّم الصحراء بوصفها خلفية للأحداث، بل بوصفها فاعلاً سردياً يعاقب، يكافئ، يختبر البشر. وهنا لا يعود السرد تسجيلًا للواقع، بل موقفاً معرفياً من الوجود، خصوصاً في سياق إنساني عاش التهميش والاقتلاع الرمزي.
ثانياً: السحر بوصفه وعياً لا خيالاً
خلافاً للفانتازيا، لا تهدف الواقعية السحرية في «التبر» إلى الهروب من الواقع، بل إلى فضحه.
فالعلاقة بين الإنسان والناقة الأسطورية – التي تتجاوز كونها حيواناً لتصبح قريناً قدرياً – لا تُقدَّم بوصفها غرابة، بل كحقيقة وجودية لا يناقشها السرد.
حين يُلمّح الراوي إلى أن خيانة العهد مع الناقة تستجلب اللعنة، فإن النص لا يشرح ولا يبرّر، لأن:
السحر هنا امتداد للوعي الشعبي.
وهو تعبير عن ذاكرة بدوية ترى العالم شبكة من العهود والرموز.
وهو لغة بديلة حين تعجز اللغة العقلانية عن تفسير الفقد والهلاك والمصير.
وهنا تصدق مقولة النقّاد إن الواقعية السحرية هي واقعية الشعوب التي كُسر منطقها التاريخي، فاستعاضت عن العقل الأداتي بحكمة الأسطورة.
ثالثاً: من ماركيز إلى الكوني – اختلاف السياق ووحدة الرؤية
كما في مئة عام من العزلة، حيث تتحول ماكوندو إلى استعارة للتاريخ اللاتيني، تتحول الصحراء في «التبر» إلى استعارة للوجود الإنساني العاري.
التكرار الزمني، حضور اللعنة، استحالة الفكاك من المصير، كلها عناصر مشتركة، لكن الاختلاف يكمن في المرجعية:
عند ماركيز: الذاكرة الاستعمارية.
عند الكوني: الذاكرة الكونية الأولى، ما قبل الدولة والتاريخ.
كلاهما لا يكتب سحراً، بل يكتب واقعاً بلغ من القسوة والعبث حدّاً لا يُقال إلا بلغة السحر.
رابعاً: الواقعية السحرية في السياق العربي – «التبر» نموذجاً
في الرواية العربية، لم تتجذّر الواقعية السحرية بوصفها مدرسة مكتملة، لكنها حضرت بقوة عند إبراهيم الكوني بوصفها:
استدعاءً ميثولوجيًا للصحراء.
إعادة كتابة لعلاقة الإنسان بالمقدّس.
محاولة لكسر الواقعية التسجيلية الجافة.
في «التبر»، يصبح الزمن طقسًا دائرياً، والموت عبوراً، والإنسان سؤالاً معلّقاً بين الحرية والقدر.
خامساً: البعد الفلسفي للنموذج التطبيقي
فلسفياً، تقوم الواقعية السحرية في هذا النموذج على:
نقد العقل الأداتي الذي يفصل الإنسان عن الطبيعة.
مساءلة مفهوم الحقيقة الواحدة.
إعادة الاعتبار للحدس، والذاكرة، واللاوعي الجمعي.
إنها كتابة تقول، عبر الصحراء والناقة واللعنة:
الواقع أوسع من أن يُختزل في ما يُقاس ويُفسَّر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى