
في دهاليز «المدينة المحرّمة» الحديثة، لا يسقط الجنرالات برصاص الأعداء في ساحات المعارك، بل بجرّة قلم من رفيق الدرب، في مشهد يوحي بإعادة صياغة شاملة لموازين القوة، هدفها الأوحد ألّا يعلو صوت فوق صوت «الرجل الواحد».
ما يشهده الجيش الصيني اليوم، من إطاحة شبه كاملة بقيادة القوات الصاروخية، وصولًا إلى تصفية «الرجل الثاني» وصديق الطفولة، للرئيس الصيني شي جي بينغ ،يتجاوز بكثير كونه حملة إدارية ضد الفساد أو تسريب المعلومات؛ إنه تجلٍّ حيّ لمتلازمة «الخوف من الظل» التي تلازم القادة التاريخيين في الأنظمة الشمولية.
حيث تصبح الكفاءة والتاريخ النضالي تهديداً يُستوجب الإقصاء، لضمان ألّا يعلو صوت فوق صوت “الرجل الواحد”.
هذا التطهير الشامل للجنة العسكرية يخلق حالة من “بارانويا البقاء”؛ فيحل شلل المبادرة محل الجرأة الاستراتيجية، ويتحول الولاء من إخلاص للمؤسسة إلى تملق للحاكم كآلية نجاة. النتيجة ليست “تنيناً فولاذياً” كما يُروّج، بل خطر التحول إلى “نمر ورقي”؛ جيش يقوده “موظفون بزي عسكري” يفتقرون للخيال الاستراتيجي ويقدسون الصمت، خوفاً من مصير رفاقهم.
الصين اليوم تغادر “القيادة الجماعية” لتدخل طور “إمبراطورية الفرد”. وهو مسار يحمل بذور انفجاره من الداخل؛ فالثقة حين تتحول لوسواس قهري تصبح كزجاج محطم لا يُرمم، وحينها لن يكون الزلزال مجرد تصحيح مسار، بل مقدمة لعصر مظلم يقتات فيه الشك على المنجزات، حتى يلتهم الرأس أطرافه.. وربما نفسه في النهاية.