
في صباح يشبه غيره
ارتشف قهوتي على مهل
تلك القهوه التي توقظ الذاكره قبل العين
وتفتح ابواب حديث لم يكن في الحسبان.
كنت اجلس في نقابه المهندسين
من حديث عابر
عن العمل والايام
انزلق الكلام بهدوء
الى حكاية انسانيه
ثقيله كالجبل
ودافئه كالقلب الصادق
حدثني عن زوجته
لم يكن حديث شكوى
ولا بحث عن شفقه
كان حديث رجل
يتكئ على الصبر
ويقف امام قدر طويل
ثلاث عشره عام
وهي في غيبوبه
ساكنه سرير المستشفى
وهو سكنها الوحيد
كل يوم يزورها
يخدمها بيديه
وفي يوم الجمعه
يحمل اولاده ويذهب منذ الصباح الى المساء
كأنهم ذاهبون الى امهم الحاضره
لا الغائبه
سألته بهدوء
ولو اختارها الله الى جواره
هل تفكر بالزواج
ابتسم ابتسامه رجل تصالح مع نفسه
وقال لا ابدا
ثم قال جمله
بردت القهوه في يدي
واشتعل القلب
يا ابو محمد
ليس لها احد الا انا
امها وابوها اختارهم الله
عندها
عرفت ان بعض الاحاديث
لا تمر
بل تجلس معنا
تشرب قهوتنا
وتبقى
هذه ليست قصه زواج
هذه قصه انسان
وقصه وفاء نادر
في زمن قل فيه الوفاء
زمن كثر فيه الكلام
وقل فيه الفعل
ما زال هناك رجال
لا يغيرهم الغياب
ولا يكسرهم التعب
رجال صامتون
لكنهم ثابتون كالجبل
كم انت كبير يا ماجد
وكم انت قليل
في زمن ازدحم بالضجيج
وفرغ من الرجال
وفي صمت الصباح، بين رشفة قهوة وذكرى رجل أوفى من الزمان، تعلمت أن الوفاء ليس كلمة تقال، بل حياة تعاش، وأن بعض القلوب تصنع من الحب صخرة صامده، لا يزيغ عنها الزمن ولا يثنيها الغياب.