
في الدول المتطورة الحديثة وحتى في التقاليد القديمة تؤخذ صحة الزعيم بنظر الاعتبار كأمن قومي وتبنى على ضوء حالته الصحية برامج مستقبلية سواء من الدولة أو حلفاء أو أصدقاء أو أعداء والصنف الأخير يبرع في صناعة أخبار سلبية عن صحة الزعيم.
اللغة السياسية عندنا لا تناقش هذه المناطق المعتمة وتنشغل بالضجيج والعناوين الكبيرة وتهمل التفاصيل التي تصنع الحدث.
لكن في العالم العربي ونظم حكم شخصانية وحتى في نظم ديمقراطية احيانا يجري التكتم على صحة الزعيم في الظاهر لكن في السر هناك صراع أجنحة عنيف.
تم اخفاء مرض فرانسوا ميتران بالسرطان الرئيس الفرنسي 11 سنة وتم اخفاء اصابة رزوفيلت بالشلل خلال الحرب العالمية الثانية ، واستطاعت اسرائيل معرفة الحالة الصحية للرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد خلال زيارته للأردن وعرفت مكان إقامته وزرعت في المرحاض الخاص عبوات لفحص البول ومنها عرفت ان الرئيس يعاني من أمراض مميتة ومنها اتخذت خطوات سرية للتعامل مع سوريا.
المتابع للحالة الصحية للسيد نوري المالكي يلاحظ انه بعد او خلال ظهور أزمة سياسية يتعرض لحالة صحية طارئة. السياق ضروري جدا في دولة يمكن الوصول الى أدق السجلات الطبية فيها وهو أمر غير ممكن في دول العالم إلا بتسريب مخابراتي لان السجلات الطبية مقدسة.
تظهر أزمات المالكي في ساعات العواصف والضغوط السياسية : في آذار 2008 في العملية التي أطلق عليها” صولة الفرسان” لمواجهة” جيش المهدي” تسربت أنباء عن تعرض المالكي لاستنزاف جسدي خلال اقامته في البصرة وعن ارتفاع في ضغط الدم وبوادر أو علامات أزمة قلبية.
في كانون الأول 2007 حدثت أزمة سياسية هددت الحكومة وفي ذلك الوقت غادر المالكي الى لندن لاجراء فحوصات بسبب” الاجهاد الشديد” حسب بيان مكتبه.
في آذار 2010 عملية جراحية في مدينة الطب للمالكي بعد انتخابات نيابية شهدت صراعا عنيفا وتحالفات متقلبة وضغوطات من مصادرة عدة.
في آب 2022 أنباء عن اصابته بمرض عضال وعن اصابته بفيروس كورونا لكنها لم تؤكد وظهر في لقاءات بصحة جيدة.
في تموز الماضي 2025 تعرض لازمة قلبية كانت الأعنف ودخوله مستشفى إبن البيطار وعملية قسطرة أو فتح صمامات القلب لكن مكتبه صرح انه فحص روتيني لكن ظهر المالكي في هيئة مختلفة ضعيفاً ، ثقيل الخطى، يفاجأ بمصافحة من قريب مما يؤكد انه يركز على حالته الداخلية أكثر من المحيط حوله.
هل الضغوط الحالية العنيفة من الادارة الامريكية محاولة” إغتيال عن بعد” عن طريق أقصى ضغط نفسي؟ خاصة وانهم يعرفون السجل الطبي والتاريخ المرضي للرجل.
في عالمنا العربي تصبح صحة الزعيم ” خطة مستقبل” ويصبح التقرير الطبي أهم من تقارير التنمية والأمن والقانون والمستقبل. أزمة سياسية. حشد سياسي من الخصوم والأعداء. ترقب وحرب الغرفة المظلمة خلف الكواليس وانتشار أقاويل للارباك والحرب النفسية وتتحول حالة الزعيم الصحية الى سر عسكري في عراق كل شيء فيه مكشوف وتجري خلف الكواليس محاولة انقلاب على الزعيم من رفاقه وهو حي أو كان في غيبوبة كما حدث مع الرئيس الجزائري بوتفليقة الذي كان ” غائباً عن الوعي” لكن الحاشية حافظت على المظاهر.
المشكلة ليست في عمر الزعيم وهناك زعماء قادوا دولاً وهم فوق الثمانين والتسعين من العمر كنيلسون مانديلا بعمر 95 ومهاتير محمد عن عمر ناهز المئة وحتى الرئيس ترامب يحكم الولايات المتحدة بعمر 78 لكن في العالم العربي دور الزعيم الفرد محوري ومرضه ثقب أسود.
عندما يمرض الحاكم أو الزعيم تنتقل السلطة من القصر الرئاسي الى السرير كحالة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الذي أصيب بجلطة دماغية وكانت زوجته تدير الولايات المتحدة دون علم الكونغرس.
السيد المالكي يخوض معركة وجودية وليست سياسية وفي حال السقوط لن يجد حائطاً يتكئ عليه عدا الفراغ ، معركة حياة أو موت، بقاء أو فناء، أكون أو لا أكون في ملحمة شكسبيرية تفتقر للرصانة والهيبة وجدية المأساة لأن الصراع على أسلاب شعب لا يستحق هذا الهوان والاذلال. لا يستحق أبداً.
هل تلعب ” الطبيعة” دوراً كبيراً في مسار تاريخ بسبب خلل شريان أو انقطاع نفس في النوم أو استنزاف الطاقة: هل تحلّ الطبيعة أو القدر ما عجزت عنه السياسة؟
استطاعت اسرائيل من وعاء بول معرفة مستقبل الرئيس الأسد وعرفت حقائق ووضعت استراتيجية خاصة ، لكننا نحوّل كل الحقائق الى بول.