
أنا الوطن،
لا تنادوني بالأمّ، الأمّ تخجلُ حين تجوعُ أبناءها،
وأنا أُدرّبهم على الجوع كي لا يطالبوا بالخبز.
أنا الوطن،
أُتقن الكذب كما تُتقن العواصمُ الإضاءة،
ألمّع نفسي جيدا وأترككم في الظلّ كي تبدو صورتي أوضح.
أنا الوطن،
رايتي ليست رمزا،
إنها منديلٌ أمسحُ به يدي بعد كل خطأٍ ناجح،
بعد كل مجزرةٍ تعلّمتُ كيف أسمّيها حدثا عابرا.
أنا الوطن،
شركةُ تأمينٍ عملاقة، أؤمِّنُ الأغنياء ضد السقوط،
وأؤمِّنُ الفقراء ضد الحلم،
وأحتفظُ بحقّ فسخ العقد في أي جنازة.
أنا الوطن،
صنعتُ العدالةَ عمياء عن قصد،
لكنني دللتها على بيوتِ الأقوياء،
وحرّمتُ عليها سماع أسماء الفقراء كي لا تتلوّث.
أنا الوطن،
القانونُ عندي نصٌّ مرن، أشدّه على رقاب الضعفاء كحبل،
وأرخيه للأقوياء كربطة عنق.
أنا الوطن،
الفسادُ ليس عندي خللا، إنه العمود الفقري،
والنفاقُ ليس رذيلة، إنه الذكاء الاجتماعي،
والكذبُ لغةٌ رسمية تعلّموها في مدارسي
قبل أن يتعلّموا كيف يقولون الحقيقة.
أنا الوطن،
حين تولدون أسجّلكم في خانة الخسائر،
وحين تكبرون أحوّلكم إلى أرقام،
وحين تموتون أستعمل موتكم كعنوانٍ جذّاب
للأخبار المسائية.
أنا الوطن،
لا أحتاجُ إلى سجونٍ كثيرة،
أنتم تتولّون المراقبة عنّي،
تخفضون أصواتكم عند الحقيقة، وترفعونها حين تكذبون معا
فتبدون أوفياء.
أنا الوطن،
الكرامةُ عندي سلعةٌ مستوردة،
لا تدخل الجمارك إلا لمن يملك العملة،
أما الفقر فجريمةٌ محلية أعاقبُ عليها بالمزيد من الفقر
كي يتعلّم الفقراء الانضباط.
أنا الوطن،
شاشاتي نظيفة، خطابي مصقول، لكن شوارعي تتعفّن ببطء
ولا يهمّ، فالكاميرا لا تشمّ.
أنا الوطن،
أطلبُ منكم أن تحبّوني، لكنني لا أسمح لكم أن تعيشوا فيّ،
أدرّبكم على الصبر كأنه مهنةٌ وراثية،
وأقنعكم أن الجوع سوء فهمٍ عابر.
أنا الوطن،
أكرهُ الأسئلة لأنها تُربك الرواية،
أحبّ القبور الصامتة لأنها لا تُقاطعني، وأخافُ من طفلٍ يفهم
أكثر مما أخافُ من عدوّ.
أنا الوطن،
الشهيدُ عندي أكثر فائدةً بعد موته، والحيّ عبءٌ إداري،
لذلك أكرّم الموت وأُهمل الحياة.
أنا الوطن،
أفتح صدري للأمهات ليُسلّمنني أبناءهن
قنابل صغيرة تمشي على قدمين.
أربّت على أكتافهن في الخطب،
ثم أُغلق الأبواب حين يطالبن بأسماء القتلى.
أحبّ الفقراء حين يكونون نشيدا،
صوتا جماعيا بلا فم، ظلا لا يمدّ يده.
وأكرههم حين ينظرون في عينيّ،
حين يتكلمون، حين يتذكرون أن لهم بطونا وكرامة وأسماء.
أنا الوطن،
أمجّدُ العمل ولا أدفع أجره،
أتغنّى بالمستقبل وأسرق الحاضر وأطالبكم بالتصفيق
على الدقة في التنفيذ.
أنا الوطن،
لستُ قاسيا، القسوةُ صادقة، أما أنا فمراوغ،
أبتسمُ وأنا أغرس السكين، ثم أسألكم عن سبب النزيف،
وأقترح عليكم أن تكونوا أكثر وطنية.
ومع ذلك أنتم تحبّون، تحبّون رغم أنفي،
تكتبون القصائد كمن يحفر نفقا تحت جدار، والقصيدةُ تزعجني
لأنها تقول ما أحاول إخفاءه.
الحبُّ عندي نشاطٌ مشبوه، والقصيدةُ وثيقةٌ خطيرة،
لكنني أترككم تكتبون كي تظنّوا أنكم أحرار.
أقف بعيدا، أعدّ دموعكم وأعلن بثقة، الاستقرار ممتاز.
أنا الوطن،
ابتلعتُ أبناءي كما يُبتلع الهواء، بهدوء قاتل، بأسمائهم، بتصفيقهم. ثم ابتسمتُ، وطلبتُ المزيد من الحب،
كم من مرة يجب أن أبتلع كي تصبح القلوب خاملة؟
أنا الوطن.
وحيد، مشبّع بالجثث، مدجّج بالولاءات،
منتظرٌ أن يغمركم بالحب ذاته
الذي أعدمتكم لأجله.