كتاب وشعراء

المثقّف بين خيانة الدور ووهم النجوميّة: تأمّلات في أفول الضمير النقدي: بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين

لم تعد كلمة «مثقّف»، في هذا الزمن الملتبس، تُستقبل بما كانت تُستقبل به من توقيرٍ رمزيّ أو رهبةٍ أخلاقيّة. بل لعلّها، كما يبوح الإحساس الخفيّ لكثيرين، صارت تُثير نوعاً من القرف الوجودي، لا لأنّ الثقافة فقدت قيمتها، بل لأنّ من تزيّوا بردائها خانوا جوهرها. لقد تحوّل المثقّف – في مشهدٍ كاريكاتوريّ فادح – من ضميرٍ نقديّ إلى مُروّجٍ بارع، ومن شاهدٍ أخلاقيّ إلى متعهد خطاب، ومن عقلٍ مزعج للسلطة إلى زينةٍ ناطقة باسمها.
منذ أن أطلق جوليان بندا صرخته الشهيرة في «خيانة المثقفين»، بدا وكأنّ اللعنة قد وُضعت على هذا الكائن الرمزي. بندا لم يكن يهاجم المثقّف بوصفه منتج معرفة، بل بوصفه كائناً أخلاقياً تخلّى عن مهمّته التاريخيّة: الدفاع عن القيم الكونيّة، والوقوف في وجه العصبيّات القوميّة، والمصالح الفجّة، وفتنة السلطة. الخيانة عند بندا لم تكن سلوكاً فردياً، بل تحوّلاً بنيوياً في وظيفة المثقّف؛ من حاملٍ للحقيقة إلى سمسار أيديولوجيا.
ولم يكن بول ميزان في «كلاب الحراسة» أقلّ قسوة حين فضح أولئك الذين جعلوا من الفكر جهاز إنذارٍ زائف لحماية النظام القائم، لا لمساءلته. إنّهم مثقّفون يُتقنون اللغة، لكنّهم يعجزون عن قول «لا». مثقّفون يملكون المنابر، لكنّهم فقدوا الجرأة. الفكر عندهم لم يعد أداة تفكيك، بل قناعاً ناعماً للاستسلام.
ثم جاء سيرج حليمي في «كلاب الحراسة الجدد» ليكشف الطور الأحدث من هذه الخيانة: المثقّف الإعلامي، المثقّف-الخبير، المثقّف الذي يُعاد تدويره بين الشاشات والاستوديوهات، حيث تُختزل القضايا المركّبة في جُملٍ سريعة، وتُختنق الحقيقة تحت وطأة الإثارة والتموضع السياسي. هنا لا يعود المثقّف تابعاً للسلطة فقط، بل جزءاً من بنيتها الدعائيّة.
ويُكمل باسكال بونيفاس هذا التشريح في «المثقفون المزيّفون»، حين يميّز بين مثقّفٍ حقيقيّ يغامر بمكانته دفاعاً عن الحقيقة، وآخر زائف يراكم رأس مالٍ رمزيّ عبر الانحياز الذكيّ لما هو مربح، لا لما هو صادق. المثقّف المزيف لا يكذب بالضرورة؛ إنّه فقط يصمت حين يجب الكلام، ويتكلّم حين يكون الكلام بلا ثمن.
في مقابل هذا الانحدار، يلوح شبح المثقّف الذي أرعب السلطة يوماً، ذاك الذي قيل إنّ غوبلز كان يتحسّس مسدسه حين يسمع كلمة «مثقّف». لم يكن الرعب من المعرفة، بل من قدرتها على زعزعة السرديّة، وكشف الكذب، وفضح العنف المتستّر بالخطاب. هذا المثقّف لم يعد موجودًا، لا في عالمنا العربي ولا – للأسف – في أوروبا نفسها، حيث كتب إدغار موران عن «ثقافة أوروبا وبربريتها»، كاشفاً التناقض الفادح بين ادّعاء التنوير وممارسة الإقصاء، بين خطاب القيم وواقع الهيمنة.
غير أنّ الأزمة لا تكمن فقط في خيانة المثقّفين، بل في تحوّل المجال العام نفسه. لقد جرى تفكيك شروط ظهور المثقّف النقدي: الجامعة أُدجِنت، الإعلام سُلّع، الثقافة صارت محتوى، والمعرفة اختُزلت في رأي. في هذا السياق، لم يعد المثقّف صوتاً مضاداً، بل صدىً محسوباً.
وهنا يتّضح الفرق الجوهري بين هذا النموذج المأزوم، وبين ما دافع عنه إدوارد سعيد حين تحدّث عن المثقّف بوصفه منفياً رمزياً، يقف دائماً على مسافة من السلطة والجماعة، أو ما نادى به علي شريعتي حين رأى المثقّف كائناً مشتبكاً مع آلام شعبه، لا مترجماً نخبوياً لمعاناته. المثقّف عندهما ليس مهنة ولا لقباً، بل موقف وجودي وأخلاقي.
إنّ استعادة المثقّف اليوم لا تمرّ عبر الحنين، ولا عبر إعادة إنتاج الخطاب الأخلاقي المجرد، بل عبر إعادة تأسيس شجاعته. شجاعة أن يكون خارج السرب، أن يخسر الامتياز، أن يقول ما لا يُقال، وأن يتحمّل ثمن الحقيقة في زمن السوق. فالمثقّف الحقيقي ليس من يملك الإجابات، بل من يُصرّ على طرح الأسئلة حين يُطلب منه الصمت.
ولعلّ هذه الالتفاتة – كما قلت – ليست سوى محاولة يائسة أو نبيلة لإعادة المثقّف إلى مكانته، لا بوصفه نبيّاً ولا واعظاً، بل بوصفه ضميراً يقظاً في زمن التخدير الجماعي. ففي عالمٍ يتكاثر فيه الضجيج، لا نحتاج إلى مزيد من الأصوات، بل إلى صوتٍ واحدٍ صادق، يقول: هنا يكمن الكذب، وهنا تبدأ المسؤولية.
Walid Abdulhay

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى