
يَأْتِي الْمُحْتَلُّونَ بِدَبَّابَاتٍ تَزْحَفُ كَالْجَرَادِ،
فَيَقِفُ لَهُمُ الْمَلِكَانِ بِجَيْشٍ مِنَ الْمُعَادَلَاتِ:
هَذَا يُلَقِّنُهُمْ نَظَرِيَّةَ الْعَدَدِ فِي الزَّاوِيَةِ الْمُنْعَكِسَةِ،
وَذَاكَ يُرِيهِمْ كَيْفَ تَبْنِي الْحِسَابَاتُ سُوراً أَعْلَى مِنْ خَيَالِهِمْ.
وَفِي لَيْلَةِ الْغُزَاةِ الْأَخِيرَةِ،
يَجْتَمِعُ جَلْجَامِشُ وَأَنْكِيدُو فِي مَعْمَلِ الْفَلَكِ الْقَدِيمِ،
لِيَكْشِفَا لِلْعَالَمِ أَعْظَمَ سِرٍّ:
“إِنَّ الْحَضَارَةَ لَا تُقْتَلُ بِالرَّصَاصِ،
إِنَّمَا تُقْتَلُ بِقَتْلِ السُّؤَالِ..
وَنَحْنُ – يَا أَبْنَاءَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ –
لَدَيْنَا أَسْئِلَةٌ تَكْفِي لِإِحْيَاءِ أَلْفِ أُمَّةٍ!”.
وَلَكِنَّ الْأَرْضَ هُنَاكَ لَا تَنْسَى..
فَفِي اللَّيْلِ، حِينَ تَخِفُّ أَصْوَاتُ الْغَزَاةِ،
تَخْرُجُ أَرْوَاحُ الْحُكَمَاءِ مِنْ بَطْنِ الطَّبَقَاتِ،
لِتُصَلِّحَ مَا أَفْسَدَتْهُ الْأَيْدِي الْغَلِيظَةُ..
يَأْتُونَ بِمُوسِيقَى خَفِيقَةٍ مِنْ زَمَنِ “الْمَلِكِ حَمُورَابِي”،
وَيَرْقُدُونَ عَلَى الْكَسْرِ كَالنَّدِيِّ..
فَيَنْبُتُ مِنْ جَسَدِ “الْأَسَدِ” زَهْرَةٌ بَنْفَسَجِيَّةٌ،
وَتَنْطَقُ الْكَسْرَةُ فِي التَّمْثَالِ بِحَرْفٍ مِنْ لُغَةِ الْأَصْلِ.
هَكَذَا يَنْتَصِرُ الْأَبْطَالُ الْحَقِيقِيُّونَ..
لَا بِصَوْتِ الْحَرْبِ،
بَلْ بِصَمْتِ الْكِتَابَةِ الَّتِي تَنْحَتُ فِي جَبِينِ الزَّمَنِ:
“كُلُّ غَازٍ سَيَذْهَبُ..
وَكُلُّ طَاغٍ سَيَنْسَاهُ التَّارِيخُ..
أَمَّا الْمَعْرِفَةُ – يَا بُنَيَّ –
فَهِيَ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَرْكَعُ لَهَا الْأَنْهَارُ،
وَتَنْحَنِي أَمَامَهَا الْجِبَالُ!”.
فَارْحَلْ عَنْ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ بِجَيْشِكَ،
وَاتْرُكْ لَهَا أَسْئِلَتَهَا الصَّوْتِيَّةَ الَّتِي تَعْرِفُ الْجَوَابَ..
فَمَا أَنْتَ إِلَّا زَائِرٌ فِي مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ،
وَنَحْنُ الْبَاقُونَ كَالنَّخْلِ..
نَمُوتُ عَلَى الْأَرْضِ مِرَارًا،
وَنُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ كُلَّمَا هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ جَنُوبِ التَّارِخ.