
بين الصوت والصمت..مسافة وعي،فالبصيرة الحقيقية تبدأ حين نكسر مرايا التلقي،وننحت نوافذ التأمل في جدران وعينا..كما أن المستقبل الأكثر إنسانية وعقلانية..لن يبنى بصمت المترددين،بل بأصوات الشجعان.. ( الكاتب)
في عصر تتدافع فيه الخطابات وتتصادم الأفكار، يبرز سؤال مُلحّ: لماذا يصمت كثير من المثقفين عندما يُهان الفكر أو يُحاصر العقل؟
هذا السؤال ليس مجرد استفسار عابر،بل هو نافذة نطل منها على أزمة المثقف المعاصر ودوره في المجتمعات التي تعيش تحولات عميقة.فالصمت في لحظات الحاجة إلى الكلمة الفصلية ليس غيابا عابرا للصوت،بل هو موقف وجودي يخفي وراءه طبقات من التعقيدات النفسية والاجتماعية والسياسية،مما يجعل من هذه الظاهرة مجالا خصبا للتأمل والنقد.
يواجه المثقف اليوم ضغوطا متعددة الأشكال تحيط به بدوائر متحدة المركز،تبدأ من دواعي الخوف والاحتراز،حيث يهدده فقدان مصادر رزقه أو ملاحقته القانونية عبر قوانين غامضة،أو حتى الاعتداء على سلامته الشخصية.ويتسع الخوف ليشمل العنف الرمزي عبر وسائل الإعلام الموجهة التي تستطيع تشويه سمعته في لحظات.!
وتتعمق الأزمة مع صراع الهوية والانتماء،حيث يتنازع المثقف بين انتمائه الفكري الذي يفرض عليه الدفاع عن حرية الفكر،وانتماءات أخرى طائفية أو قبلية أو حزبية تفرض عليه صمتا انتقائياً.وهذا التناقض بين المبدأ والمصلحة يضع المثقف في مفترق طرق صعب،حيث يضطر أحيانا لاختيار الصمت حفاظا على مواقعه ونفوذه.
ويأتي التحول الرقمي ليزيد الوضع تعقيدا،فسلطة المثقف الرمزية لم تعد مطلقة في عصر تعدد المرجعيات،حيث طغى الخطاب الانفعالي في فضاءات التواصل الاجتماعي،وحل الصراخ الإعلامي محل النقاش الجاد،مما يدفع الكثير من المثقفين الجادين إلى الانكفاء والانعزال.
تأتي إهانة الفكر في شكلين: مباشر وهيكلي. فالإهانة المباشرة تتجلى في تشويه السمعة عبر حملات منظمة،واختزال الأفكار المعقدة في شعارات مبتذلة،واتهام الأصوات النقدية بالعمالة أو الخيانة.أما الإهانة الهيكلية فتتمثل في تهميش المؤسسات الثقافية والفكرية،وتحويل الثقافة إلى سلعة استهلاكية،واستبدال النقاش العام بالخطاب التلفزيوني الترفيهي الذي يفرغ الفكر من مضمونه.!
ليس كل صمت مذموما،فثمة صمت إيجابي اختياري كالصمت التأملي لفهم الظواهر بعمق،أو الصمت الاستراتيجي لتجنب المعارك الهامشية،أو الصمت الاحتجاجي ضد المسرحيات الفكرية المزيفة.لكن الخطر يكمن في الصمت السلبي القسري الذي ينبع من الإحباط المتراكم،أو الانتهازية التي تضحي بالمبادئ لحفظ المصالح،أو اللامبالاة الناتجة عن الانغماس في الهموم الشخصية والانفصال عن الهم العام.
على المستوى الفكري،يؤدي صمت المثقفين إلى سيطرة الخطابات الشعبوية والسطحية،وتراجع النقاش العام،وانحسار مساحات التفكير النقدي. وعلى المستوى المجتمعي،يعمق هذا الصمت الشرخ بين النخبة والجمهور،ويضعف مناعة المجتمع ضد الأفكار المتطرفة،ويؤدي إلى فقدان البوصلة الأخلاقية والفكرية في الأزمات المصيرية.
ورغم الصورة القاتمة،تظل نماذج النضال الفكري شموسا في سماء مظلمة.من إدوارد سعيد الذي جسّد دور المثقف كصوت للمهمشين،إلى عبد الرحمن الكواكبي في مواجهة الاستبداد،وصولا إلى مثقفين معاصرين يدفعون ثمنا باهظا لإيمانهم بكلمة الحق.هذه النماذج تثبت أن الصمت ليس قدرا محتوما،بل هو اختيار يمكن تجاوزه بالشجاعة والإيمان بقوة الفكر.
وإذن ؟
صمت المثقف إذا،إزاء إهانة الفكر هو في جوهره اختبار لأخلاقيات المعرفة ومسؤولية الحكمة. فالفكر الذي لا يدافع عن كرامته يكون قد أهان نفسه قبل أن يُهان.والخروج من هذه الدائرة يتطلب نهضة ثلاثية الأبعاد: تضامن المثقفين في الدفاع عن بعضهم البعض كجسد فكري واحد، وإعادة بناء العقد الاجتماعي بين المثقف والمجتمع على أساس الثقة المتبادلة،وخلق مساحات آمنة للنقاش الحر الذي يجمع بين الجرأة والحكمة.
المستقبل الأكثر إنسانية وعقلانية لن يبنى بصمت المترددين،بل بأصوات الشجعان الذين يرفضون أن يكون الفكر سلعة رخيصة أو كلمة مجانية.ففي زمن الضبابية الفكرية،يكون الصوت الواضح هو البوصلة التي تقود السفينة نحو شواطئ الحرية والكرامة.وربما تكون أعظم مهانة للفكر ليست في هجوم الجاهلين،بل في صمت العارفين.
وهكذا يظل صمت المثقف إزاء إهانة الفكر معضلة أخلاقية قبل أن تكون سياسية،وعلامة على أزمة الضمير في زمن تتعرض فيه قيم الحقيقة والكرامة للاستهداف.فإذا كان الصمت في بعض الأحيان حكمة أو تكتيكا،فإن تحوله إلى نمط دائم يعني موت الضمير الجمعي وانتصار القوى التي تسعى لإفراغ العالم من معناه.
والسؤال الأكثر جرأةً ومُساءلة:
متى يتحرَّر الضمير الإنساني من قيود الخوف والمصلحة،ليدرك كلّ مُدرك أنّ صمته ليس حِصن أمان،بل جدار عُزلة يَبنيه حول إنسانيته،وكيف نُعيد للصوت قيمته حين يصير التحدّي جُرأة وجودٍ لا تفويض خوفٍ..؟!
إن صمت المثقف ليس غيابا عابرا،بل انسلاخا من الجوهر.استسلام هادئ يتحول فيه الحارس إلى شريك في اغتيال الفكر.
والخطر الأكبر لا يكمن في ضجيج المغالطين،بل في ذلك الهدوء النخبوي الزائف الذي يخفي وراء قناع الحياد جبنا أخلاقيا.صمت يفتك بصاحبه من الداخل،ويحوله من شاهد على الزمن إلى سجين في زنزانة صمته.
لكن النور باق،في تلك الأصوات التي ترفع كلمة الحق فوق سوق المساومات،وتحرر الفكر من أسْر الخوف.والمستقبل يُبنى بجرأة الواقفين على الحافة،العارفين أن الكلمة في زمن الضباب ليست ترفا،بل بوصلة تحفظ للوجود اتجاهه.
فليكن الصمت نفسا عميقا قبل العاصفة،لا قبولا بالهزيمة.لأن التاريخ لا يذكر من صمتوا حين اشتعلت المعركة،بل يخلد من شقوا جدار السكون بصوتهم،جاعلين من كلمتهم جسرا يعبر عليه الضمير من ظلمة الصمت إلى نور الحقيقة.