رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : العدالة شرف وجمال

في 22 يوليو 2011 هزت النرويج مجزرة بشعة في قيام متطرف بقتل حوال 85 شخصا في عمليتين منفصلتين في ساعة واحدة التي تعرف بمذبحة النرويج .
الأولى تفجير سيارة مفخخة في المقر الحكومي أسفرت عن مقتل 8 أشخاص ثم اتجه الى جزيرة أوتويا حيث يحتفل شباب حزب العمال مرتدياً زي رجل شرطة وقام بقتل العشرات في مخيم صيفي في غابة في الجزيرة والضحايا جميعا تقريبا من المراهقين والشباب الصغار الذين توقعوا ان اطلاق النار جزء من الحفل.
من بين القتلى شابة عراقية رافال محمد جميل ياسين طالبة جامعية وعمرها 20 سنة، وكان سبب المجزرة عنصرياً وانتقاماً من حزب العمال المتساهل مع الأجانب حسب الجاني.
جلس بريفيك الجاني منتظرا وصول الشرطة وتعرفوا عليه في انه نرويجي وليس من قومية او دين أخر . اللحظات الأكثر اثارة عندما كتب القاضي المساعد توماس إندريبو Thomas Indrebø تعليقا على صفحته في الفيس بوك وقبل المحكمة ، كتب:
” “عقوبة الإعدام هي الحل الوحيد العادل في هذه القضية”.
ومع ان عقوبة الاعدام لا وجود لها هنا لكن ليست هذه القضية التي بموجبها تمت تنحية القاضي فوراً بل” الحكم المسبق” على المتهم رغم توفر كل الأدلة والشهود والصور واعتراف المتهم لكن لا يجوز الحكم قبل اكتمال المحكمة وربما تظهر قصة مغايرة ومختلفة.
اعتبرت المحكمة القاضي غير مؤهل” (Unfit) لمتابعة القضية بسبب نوايا مسبقة مما يناقض سير العدالة كما لا يحق للقاضي أو أي شخص آخر ممارسة التحقير حتى ضد متهم بمجزرة علنية لأن الفارق كبير بين جريمة المتهم وكرامته التي لا تمس وغالبا يتم اخراج وسائل اعلام في قضايا أخلاقية لأنها تحط من كرامة عوائل أو أشخاص وقد تدمرهم بلا معرفة الصورة من زوايا عدة.
منذ الأمس وحتى اليوم أتابع أخبار جريمة مقتل الممثلة السورية هدى شعراوي ــــــــــــــــــ وقبلها حوادث عراقية شبه يومية ـــــــــــــــ والاراء التي تصيب بالقرف حيث كل معلق يتهم طرفا في العائلة مع ان الجاني الخادمة اعترفت بالجريمة وهذا يحدث في مواقع التواصل العراقية ما ان يُنشر خبر أو صورة عن حدث غير مكتمل الاركان وفي ظروف غير معروفة وتحقيق غير مكتمل ولا قرار قضائي حتى يتحول كثير من القراء الى قضاة ورجال تحقيق بل واصدار أحكام قاطعة حيث تتم حرق مكانة القانون بسبب هذه الخفة العقلية حيث تنصب المشانق فوراً وغالباً ما تظهر قصة مختلفة ومغايرة وان المتهم بريء من حدث مدبر لأسباب كثيرة حيث يمكن صناعة حدث اليوم بسهولة بسبب دوافع فردية أو سياسية للالهاء والمشاغلة عن قضايا مصيرية.
العدالة في القانون أو في الأفراد جزء جوهري من الشرف ومن الضمير وانسان بلا ضمير وحش أطلق في الشوارع . أين هو أندرس بريفيك الآن؟ يتواجد حالياً في سجن رينجيريكه (Ringerike Prison على ضفاف بحيرة “تيريفيوردن” في شقة مرفهة من طابقين تشمل:
” غرفة نوم خاصة. غرفة معيشة مزودة بتلفاز وجهاز ألعاب (Xbox).
مطبخ مجهز (يسمح له بإعداد طعامه بنفسه أحياناً). غرفة لياقة بدنية تحتوي على أجهزة رياضية (جهاز جري، آلة تجديف، وأثقال).
غرفة دراسة (حيث يتابع دراسته الجامعية عن بعد). حيوانات أليفة: سُمح له بترتيب خاص باقتناء ثلاثة من طيور الببغاء (أو “خنازير غينيا” في تحديثات أخرى) لكسر حدة العزلة مع خدمة انترنيت.
مدة الحكم 21 سنة أقصى عقوبة قابلة للتمدد وقدم عام 2024 و 2025 طلباً للإفراج لكنه رفض لأن المحكمة رأت انه لم يتغير.
هذه الحالة ليست نادرة في النرويج وغالبية من يدخلون السجون النرويجية يخرجون أطباء ومهندسين وخبراء لأن الهدف تصحيح الجريمة لا كرامة السجين لان الكرامة أهم من القانون وتُحجب حقائق عن وسائل الاعلام اذا مست كرامة الناس في حين لو دخل طبيب او عالم او مثقف بريء الى السجون العربية لخرج، اذا خرج، مجرماً أو محطماً أو معاقاً. السجن العربي لا يسلب الانسان حريته فحسب بل كرامته.
من خصائص العقل المستقيل كالتحليل والأدلة والشهود وفرصة المتهم، هو الاتهام الفوري حيث تحل غريزة القطيع محل العقل والتركيز على العنوان العام للحدث مع تجاهل التفاصيل الهائلة التي تمت فيها أو جو الحدث.
الرواية الأكثر شيوعا تجنب السامع أو القارئ مشقة البحث والتحليل وتتحول الأحكام الفورية الى ميادين إعدام والصفحات الى مقاصل. المفارقة المخزية ان هذه الاحكام تصدر من الاشخاص ذاتهم الذين يريدون دولة ديمقراطية وعدالة ويحاربون الفساد لكنهم بلا شعور يخلقون بيئة وحاضنة لكل المساوئ لان العقل المستقيل عاجز بسبب عطب بنيوي في التفكير بنفسه. لا يمكن فحص مكونات عقل رث بعقل رث كما ان هذا ” العقل” المستقيل غير مدرك لمأزقه.
الثقافة القانونية أو في الأقل الحس الحقوقي الفطري ـــــــــــــــ الذي تتمتع به الحيوانات ـــــــــــــ جزء جوهري من شرف الانسان.
الأحكام الفورية لا تشوه سمعة المتهم فحسب بل سمعة وتضليل العدالة وسمعة المجتمع وتقضي على مصداقية الأفراد أصحاب الأحكام المرتجلة وتكشف عن ضحالة أخلاقية وقانونية وثقافية وهذا النوع من الأحكام يعتبر جريمة في دول ديمقراطية.
في قضية بريفيك، لم يستقل العقل النرويجي رغم الفاجعة الاستثنائية في مجتمع مسالم ولم تتم الاحكام الفورية وبلا هتافات للثأر والانتقام بل خرجوا للشوارع وأضاؤوا الشموع ووضعوا الزهور في الساحات العامة وهم يرددون:
” لن نستسلم للإرهاب وخيارنا السلام والمحبة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى