
مشروع سد النهضة كان بمثابة مصيدة وفخ كبير لمصر لحرب استنزاف بنفس الشكل الذى تم مع روسيا وكانت إثيوبيا وقتها ستتلقى دعم اوربى أمريكى غير محدود لتنفيذ المخطط تماما كما يحدث مع أوكرانيا الآن .
وطوال فترة مفاوضات سد النهضة التى استمرت لسنوات أعلنت إثيوبيا رسميا انها ترفض الاتفاقيات المبرمة خلال الحقبة الاستعمارية السابقة فى اشارة إلى اتفاقية عام ١٩٠٢ باعتبارها قد أُبرمت في ظل واقع سياسي غير متكافئ يفتقر لشروط العدالة والندية بين الأطراف ، وكأن إثيوبيا ترغب أن يعود الوضع السياسي والجغرافي لما قبل تلك المعاهدات التاريخية ، وسؤالى الهام لابى أحمد ومن يحكمون اثيوبيا ما الوضع لو تم إلغاء كل الاتفاقيات التى لا يرغب آبى احمد الاعتراف بها؟
فى عام ١٨٧٢ تولى يوحنا الرابع الحكم فى اثيوبيا (الحبشة) التى كانت تضم إقليمي التيجراى والأمهرا ، ودعمته بريطانيا بالسلاح ضد مصر لكنه قتل عام ١٨٨٩ خلال مواجهات مع جيش السودان بمنطقة القلابات واستولى السودانيين على جثته وقطعوا رأسه وطافوا بها شوارع أم درمان .
بعد مقتل يوحنا أعلن “سهلة مريم” حاكم منطقة (شوا) نفسه ملكا على اثيوبيا وأطلق على نفسه لقب نقوسا نقاست أو (ملك الملوك) واختار لنفسه الاسم الملكى منليك الثاني اعتمادا على أن منليك الأول هو ابن الملكة بلقيس والنبي سليمان وفق الأساطير الحبشية التي وردت بكتابهم مجد الملوك (كبر انجشت) وهو ما منح منليك الثاني شرعية دينية وتاريخية قوية فى إثيوبيا وهو ما اشتغلته بريطانيا لتحقيق باقى مخططاتها بالمنطقة .
وقاد “منليك الثاني” حملة توسعات كبيرة واحتل مناطق وممالك عديدة ظلت تحت سيطرة الحكام المتعاقبين لإثيوبيا وأسس أديس أبابا كعاصمة وحقق انتصاراً بارزاً على الإيطاليين في معركة عدوة عام ١٨٩٦ .
أى أن بريطانيا تمكنت من تحقيق أهدافها عن طريق مساعدة منليك الثانى بالسيطرة على اقاليم وممالك ومناجم ذهب وطرد أى منافس لها بالمنطقة (الايطاليين) وهو نفس ما قام به الانجليز عندما دعموا العثمانيين لطرد (الفرنسيين) ، وعندما دعموا محمد على للتخلص من العثمانيين ، وعندما دعموا صعود الظباط الاحرار للتخلص من حكم اولاد محمد على ، وكما حاولوا دعم الاخوان لحكم مصر ، وكان الهدف العام لكل ذلك هو تغيير النسيج المجتمعى كل فترة لمنع الاستقرار لتسهيل استمرار تواجدهم واستحوازهم على ثروات الشعوب وهو ما تم ويتم بالوطن العربى وفى افريقيا وباغلب دول العالم حتى الان .
وطوال التاريخ وبمساعدة بريطانيا احتل حكام اثيوبيا سلطنة (هرر) التى كانت دولة إسلامية مستقلة ومركزا تجاريا وثقافيا هاما وقام منليك بضمها بعد معركة شيوا وأصبحت بوابة إثيوبيا للشرق ، واحتلوا ايضا مقاطعة (ولو) بشمال إثيوبيا وكانت شبة مستقلة تحت حكم الأمير محمد على الذى تم تنصيره هو وشعبه ليتمكنوا من دمجها بالامبراطورية ، وتزوج محمد على(ميخائيل) من ابنة الملك الإثيوبي وأنجب (ليج أياسو) الذى أعلن عن هويته الاسلامية فحاربته القوى الاستعمارية والكنيسة حتى تم قتله .
إقليم الصومال الغربي أو (إقليم أوجادين) تم ايضا احتلاله وكام يسكنه الصوماليون وكان تحت نفوذ سلطنة الزيلع وتم ضمها بالقوة لاثيوبيا وكانت سبب النزاع مع الصومال بشكل كبير ، ويضاف إلى ما سبق إقليم (العفر) الذى كان تحت حكم سلطنة مستقلة وتم ضمه لاثيوبيا لتأمين الطرق التجارية نحو البحر الأحمر.
مملكة (الكافا) كانت مملكة مستقلة بالجنوب وكانت مشهورة بإنتاج البن وضمّها منليك الثانى بالقوة مما زاد من ثروة إثيوبيا الاقتصادية ، ويضاف إلى ذلك أراضي (الأورومو) التى كانت تضم ممالك محلية وإمارات مستقلة وشن منليك حملات متوحشة على هذه المناطق ونكل بشعب الأورومو وقتل منهم الملايين وضم اراضيهم لامبراطوريته بالقوة ، وهو نفس ما تم بأراضى (البورانا والسيداما) التى تخص قبائل وممالك محلية جنوبا وتم إخضاعها بالقوة للإمبراطورية الإثيوبية .
أقليم (بنى شنقول) هو الآخر إحتله الاثيوبيين ومعه منطقة القلابات ووقفة وفازوغلي ولم يتوقف إلا بعد أن أوقفه الانجليز عند حدود كركوج ومنعوه من الوصول للخرطوم بتوقيع اتفاقية ١٩٠٢ ، وبتوقيع منليك الثانى على اتفاقية ١٩٠٢ انسحب من بعض المناطق بعد ترسيم الحدود على يد الميجر قوين سنة ١٩٠٣ لكن ظل إقليم بنى شنقول الغنى بالذهب تحت سيطرة اثيوبيا مقابل دفع ٩٩ كجم ذهب سنويًا لبريطانيا مع التعهد بعدم بناء سدود على النيل الأزرق .
وطوال الوقت وبريطانيا تساعد حكام اثيوبيا بكل تحركاتهم لاحتلال الاراضى والممالك الضعيفة وضمها لتكوين مملكة جديدة هى (اثيوبيا) التى تم حكمها بالحديد والنار وتم قتل الملايين من القوميات لتثبيت الحكم ، وفى الوقت المناسب يتم التخلص من أى حاكم يحيد عن أهداف بريطانيا بالمنطقة وهو ما أبدع الانجليز بتنفيذ بدقة كبيرة فى اثي بيا فى اغلب ممالك ودول المنطقة .
وبناء على كل ما سبق يتضح أن إعلان إثيوبيا بشكل رسمي عدم الاعتراف بالمعاهدات التاريخية يعني أن كل الممالك والاراضى التي احتلها منليك الثانى وباقى حكام إثيوبيا اصبحت مستقلة وشعوبها حرة ويمكنها تقرير مصيرها.
وبالنظر لآبى أحمد رئيس الوزراء الجديد فهو اليوم يقوم بنفس دور منليك فى اثيوبيا ، وتم استغلاله بموافقته بتنفيذ مشروع سد النهضة لمحاولة جر مصر للحرب ، وحقق آبى احمد مزايا كثيرة باعلان العداء لمصر وشمل ذلك مزايا سياسية استغلها لتثبيت وجوده السياسى ، ومزايا اقتصادية باستثمارات كبرى تمت فى إثيوبيا نكاية بمصر ، ومزايا أخرى عسكرية من دول ظنت أن مصر وقعت بالفخ
ولذلك أعتقد وبشكل كبير أن التعاون بملف سد النهضة سيتم لان مصر لا ترغب فى الحرب وتحركت للمواجهة بشكل مختلف ونجحت فى تحييد أغلب الداعمين لاثيوبيا بهذا الملف بشكل دفع آبى احمد إلى اللجوء للصين نكاية فى امريكا التى حاولت التخلى عنه وهو ما أدى لغضب أمريكى شاهده العالم بكلمات ترامب عن سد النهضة
التعاون سيؤدى لنهضة كبيرة لمصر والسودان واثيوبيا وسيكون بداية جديدة لكل دول حوض النيل وبداية اقتصادية قوية لافريقيا كلها بإذن الله لأن عدم التعاون سيؤدى لتوتر كبير وعدم استقرار بمنطقة القرن الافريقى بل وبالشرق الأوسط كله لان مصر لن تسمح لأحد مهما كان ان يتحكم بنهر النيل الذى يعتبر شريان الحياة لمصر والمصريين منذ الاف السنين وحتى الآن.
ويظل السؤال المهم هو (هل) سينصاع أبى احمد للتعاون والوصول لاتفاق ملزم بشأن سد النهضة بشكل مرضى لكل الأطراف وبشكل يساهم فى استقرار المنطقة (أم) سينال مصير مشابه لمصير الزعيم الإثيوبي هيلاسيلاسى عندما حاول عدم الانصياع لمن أوصلوه للحكم ودعموه لمدة ٦٠ عاما وكان مصيره بالنهاية القتل والدفن أسفل أحد المراحيض بحمامات القصر الإمبراطورى .