
لم يكن سليم جبانًا، لكنه كان منهكًا. والإنهاك أخطر من الجبن، لأنه يُقنعك أن القيدَ قدر، وأن الصمتَ حكمة.
أما نادية، فكانت امرأة تُتقن ارتداء النعومة كما يُتقن الجلاد ارتداء القفاز الحريري. بيتها واسع، لكنه بلا هواء، لأن السيطرة حين تسكن الجدران تخنق الأرواح.
كان عقمها حفرةً سوداء في صدرها. لم تبكِها، بل زرعت فيها فكرةً شيطانية، ونادت زوجها ذات مساء وقالت ببرود الملوك:
“سأشتري لك أبوة… كما تُشترى التحف. الخادمة تنجب، ونحن نرث الطفل.”
ارتعد داخله شيء ما، لكنه سكت.
والسكوت أول خيانة للنفس.
دخلت ريم البيت كنسمةٍ فقيرة. تحمل في كفيها تعب الشوارع، وفي عينيها وطنًا صغيرًا من الأمل. لم تكن جميلة على طريقة الإعلانات، بل على طريقة الصباح حين يزور الأحياء المنسية.
أطعمتها نادية، كسَتها، قرّبتها، ثم دفعت بها نحو الزواج الصوري كما تُدفع الضحية إلى المذبح باسم الرحمة.
حملت ريم.
ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء.
صار الجنين يوقظ فيها ذاكرة الحياة. شعرت أن رحمها لم يعد جسدًا… بل رسالة. وأنها لم تعد خادمة، بل أمًّا تصعد درج الخلق.
وقبل الولادة بأيام، دخلت نادية غرفتها، وملامحها كزجاجٍ مشقوق:
“اقترب موعد التسليم. الولد لنا.”
ابتسمت ريم، لكنها كانت ابتسامة مكسورة:
“كنتُ فقيرة… لا بلا قلب. هذا الطفل ليس صفقة. هذا اسمي الجديد.”
هنا انفجرت نادية. ضربت، صرخت، حاولت أن تُسقط الجنين من رحمها بيديها، وهي تهذي:
“سأسترده بالقوة!”
في تلك اللحظة، حدث ما لم يحدث منذ سنوات…
سليم تمرّد.
وقف بينهما كجدار أخير، ودفع زوجته الأولى بعيدًا، وقال بصوت لم يعرفه هو نفسه:
“إن سقط هذا الطفل… سأسقط معكِ إلى الأبد.”
ذهب إلى الشيخ، وحين سمع الحكم، شعر وكأن السماء فتحت بابًا ضيقًا للنجاة:
“لا نسب بلا شرع. إمّا عقدٌ حلال… أو خطيئة أبدية.”
عاد سليم، ولم يُخبر نادية.
كتب عقد زواجه على ريم سرًّا، ثم جلس قربها وقال:
“من الآن… لستِ وحدك.”
ولدت ريم في ليلة ممطرة.
صرخة الطفل شقّت الصمت كما تشقّ البرقُ السماء.
وحين حمله سليم، شعر أن قلبه وُلد من جديد.
جاءت نادية مسرعة، تريد الطفل، تريد السيطرة، تريد النهاية التي رسمتها.
لكنها حين علمت بالعقد، سقط الكأس من يدها، وانكسرت المرآة داخلها.
صرخت:
“خنتني!”
ابتسم سليم بحزن:
“بل أنقذت نفسي.”
في صباحٍ هادئ، نطق الطلاق كما يُنطق حكم الإعدام على الطغيان الصغير.
خرج من القصر الذي كان سجنًا، ودخل بيتًا ضيقًا مع ريم، لكنه كان مليئًا بالهواء، والضحك، ورائحة الحليب.
أما نادية…
فبقيت وحدها، محاطة بالأثاث، محاصَرة بالصمت.
تملك كل شيء… إلا الحياة.
وهكذا علّمتها الأيام:
أن الرحم الفقير
قد يهزم القصر المتخم،
وأن طفلًا صغيرًا
قد يسقط إمبراطورية قهر.