رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : خدعة كيسنجر

نظرية الرئيس الاحمق أو الرجل المجنون Madman theory ليست من اختراع الرئيس الامريكي ترامب ولا من اختراع الرئيس الامريكي نيكسون خلال الحرب الفيتنامية بل من اختراع ميكافيلي .
طلب نيكسون من وزير خارجيته هنري كيسنجر ـــــــــــــ (27 مايو 1923 – 29 نوفمبر 2023 ـــــــــــ خلال مفاوضات باريس عام 1973 لانهاء الحرب ان يختلي برئيس الوفد الفيتنامي لي توك دو متقمصا دور الطيب والقول له بطريقة درامية عاطفية:
” أحب أن تعرف أن ذلك الرجل الجالس في البيت الأبيض في واشنطن (يعني الرئيس نيكسون) مجنون، ولولا أنني أقوم بتهدئته من حين لآخر لأمر بتسوية فيتنام كلها بالأرض”.
ويضيف:
” الآن وقد أوصلتم التفاوض إلى طريق مسدود فإن هذا الرجل عندما يبلغه الخبر سوف يجن جنونه، إنه قطعاً سوف يأمر باستئناف القصف الجوي على مدنكم، إنني أنصحكم بالمرونة وإبداء قدر من التنازل حتى أتمكن من تهدئة ثائرة ذلك الرجل”.
لم يكن كيسنجر يعرف ان المفاوض الفيتنامي لي دوك دو هو عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي الفيتنامي مطلع على نظرية الرجل المجنون Madman theory كاسلوب ابتزاز في التفاوض وعلى عكس توقع كيسنجر ورئيسه قامت جبهة التحرير الوطني الفيتنامية الفيتكونغ بأعنف الهجمات المسلحة على الجيش الامريكي وأتباعه خلال التفاوض لمنح المفاوض أوراق قوة على الطاولة.
في مكاتب البيت الأبيض عبارة متداولة تسمى” خدعة كيسنجر” وكان الداهية يستعملها مع السوفيت عندما لا يملك خياراً ويقول:
” كل الخيارات مطروحة على الطاولة” .
في دولة نووية لا مزاح معها خاصة اذا تظاهر الرئيس أنه مجنون أو في الطريق. لكن نظرية الرجل المجنون ليست من اختراع كيسنجر او نيكسون بل من اختراع ميكافيلي الذي قال:
” “من الحكمة جداً أحياناً التظاهر بالجنون” . الغموض النووي وتحريك الأساطيل عمل واقعي وكل شيء ممكن من خلال الضغط المسلح على الطرف الآخر كما ان التدرج في حشد القوات على مراحل زمنية هو الآخر خدعة الغرض منها مراقبة ردود فعل العدو وشراء الوقت على الرغم من استحالة الخيار العسكري لكن القادة العسكريين يعزفون مع الرئيس على الايقاع نفسه لكي تلوح حكاية الحرب الكاسحة الماسحة مقبولة. التلويح والتهديد واستعراض القوة بدل استعمالها.
نظرية الرجل المجنون لا تؤدي الى الحرب بل هي في الجوهر محاولة لتحاشيها مقابل تنازلات من العدو . قال الرئيس نيكسون لوزير خارجيته كيسنجر خلال مفاوضات باريس مع الفيتناميين التي بدأت عام 1969 ــــــــ 1973:
” “أريد من فيتنام الشمالية أن تعتقد أنني وصلت إلى النقطة التي يمكنني فيها فعل أي شيء لإيقاف الحرب. سننشر إشاعة بأن نيكسون مهووس بمحاربة الشيوعية، وأنه لا يستطيع كبح جماح غضبه عندما يستفز، ويده دائماً قريبة من الزر النووي.”
لكنه في الواقع لم يصل الى تلك الحالة ولم يكتف بذلك بل قام بحشد عسكري غير مسبوق وأمر القوات النووية أن تكون في حالة تأهب قصوى والسوفيت يراقبون ذلك حلفاء فيتنام مع قيام قاذفات القنابل النووية بي 52 بالطيران قرب الحدود السوفيتية .
كان كيسنجر يلعب دور الرجل العاقل والرصين الذي لا يريد للامور ان تنزلق الى حرب نووية تمحو فيتنام من الخارطة وتلك خدعة وكان يقول للوفد الفيتنامي كما لو يبوح بسر:
” “أنا أريد السلام، لكن الرئيس نيكسون في حالة غضب شديد ولا أستطيع ضمان تصرفاته القادمة إذا لم نصل لاتفاق قريباً.”
عرف الفيتناميون والسوفيت ان الرئيس الامريكي يعاني من مشاكل عنيفة داخل البيت الابيض منها فضيحة ووترغيت ــــــــــــــــ التجسس على الحزب الديمقراطي ـــــــــــ التي كشفها الصحافي بوب وود ورد وأدت الى استقالة نيكسون لكن بعد توقيع اتفاقية باريس للسلام وانهاء الحرب وانسحاب أمريكا من فيتنام تاركة جيش “فيتنام الجنوبية” ـــــــــــــــــ بعد أن قسمتها كالعادة في احتلال بلد ــــــــــــــــــ الصناعة الامريكية لقوات الثوار وجبهة التحرير الوطني الفيتكونغ التي فتحت فيهم مجازر في يوم واحد تجاوزت عشرات الالاف وهرب اعداد للسفارة الامريكية والتمسك بالسفن كما حدث في افغانستان.
هذا النوع من الخداع الاستراتيجي مع حملة اعلامية صاخبة واخبار متسارعة عن حركة الاساطيل والقوات والطائرات هو وضع العدو في حالة استنفار واستنزاف وخلق مشاكل وثغرات داخلية في صفوفه حيث يتحول” التنازل” كحل بديل عن” الجنون” وليس الغرض من سياسة الضغط المسلح هو الحرب الفعلية بل خلق مناخ اللايقين بحيث تتحول خدعة” كل الخيارات مطروحة على الطاولة” سياسة خروج من الحرب بالوصول الى سياسة حافة الهاوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى