رؤي ومقالات

د.فيروز الولي تكتب :كيف أفرزت هذه الفئات في اليمن؟

لم تُفرَز الفئات الاجتماعية في اليمن عبر تطور اقتصادي أو تعاقد اجتماعي أو حتى صراع طبقي نبيل كما في كتب علم الاجتماع، بل أُفرزت عبر تاريخ طويل من الخرافة، والقوة، والكسل السياسي، والقداسة المصنّعة. يمكن القول إن اليمن لم يبنِ مجتمعًا… بل راكم طبقات غبار فوق بعضها حتى صار الغبار هو الهوية.
السادة لم يظهروا لأنهم الأكثر علمًا أو إنتاجًا، بل لأنهم الأكثر قدرة على تسويق فكرة أن السماء منحتهم وكالة حصرية لإدارة الأرض. فكرة بسيطة، مربحة، ولا تحتاج إلى امتحان كفاءة. يكفي نسبٌ محفوظ وشعار جاهز، والباقي على المجتمع أن يصدّق أو يُتَّهَم.
القضاة لم يكونوا دائمًا حراس عدالة، بل حراس توازن هشّ: لا يغضبون السادة، ولا يصطدمون بالمشايخ، ولا ينزلون إلى الناس. فصار القضاء مهنة أخلاقية في الخطاب، وواقعية في التطبيق، وحيادية… حين يكون الحياد مريحًا.
المشايخ أُفرزوا من فراغ الدولة. كلما غابت الدولة، حضر الشيخ؛ وكلما حضرت الدولة شكليًا، حضر الشيخ فعليًا. سلطة بلا دستور، وجيش بلا رواتب، وقانون يُعلّق عند المدخل. الشيخ لا يحكم لأنه الأصلح، بل لأنه الأقوى في لحظة ضعف عام.
الحرفيون والمزارعون أُفرزوا لأن أحدًا لا يريدهم في الأعلى. هؤلاء يُستدعون في الأغاني الوطنية، وفي الشعارات، وفي المواسم الانتخابية، ثم يُعادون إلى الهامش بعد انتهاء الخطاب. يعملون ليعيش غيرهم، وينتجون ليستهلك غيرهم، ويصمتون لأن الصوت رفاهية.
أما الأخدام (المهمشون)، فهم الفئة التي تكشف كذب الجميع. وجودهم وحده فضيحة أخلاقية كاملة. لو كان المجتمع عادلًا، لما وُجدوا أصلًا كفئة. لكنهم موجودون لأن التمييز أسهل من العدالة، ولأن إنكارهم أقل كلفة من إنصافهم.
الكوميديا السوداء أن هذه الفئات استمرت لا لأنها قوية، بل لأن الدولة أضعف من أن تكسرها، والنخب أجبن من أن تعترف بها، والمجتمع أكثر خوفًا من أن يواجهها. وهكذا تحولت الفئة من حالة اجتماعية إلى قدر، ومن قدر إلى هوية، ومن هوية إلى سجن.
خاتمة
اليمن لا يحتاج ثورة على الفقر فقط، بل ثورة على الفئات المغلقة. فالدولة لا تُبنى فوق الأنساب، ولا تُدار بالعمائم أو البنادق، ولا تُحكم بالقداسة أو العرف. ما لم يُكسر هذا الهرم الفئوي، سيبقى اليمن بلدًا ينتج المعاناة… ويصدّر الوهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى