فيس وتويتر

الأصالة بين قداسة الموروث ومحنة التفكير: من البداهة المُتعالية إلى السؤال المؤسِّس….بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست الأصالة، في جوهرها، معطًى جاهزاً ولا حقيقة مكتملة تُورَّث كما تُورَّث الأشياء، بل هي سؤال مفتوح في صميم الوعي التاريخي، يتجدّد بتجدّد شروط الوجود الإنساني. غير أنّ ما يُسمّى في فضائنا الثقافي والفكري بـ«تيّار الأصالة» غالباً ما يتعامل مع هذا المفهوم بوصفه بداهةً فوق المساءلة، ومقاماً محصّناً ضدّ النقد، لا يحتاج إلى تعريف بقدر ما يطالب بالطاعة. وهنا تبدأ المفارقة: كيف يمكن لمفهوم يُفترض أن يكون حيّاً ومتجذّراً في التجربة التاريخية أن يتحوّل إلى صنم فكري يُعاد إنتاجه بلا تفكير؟
إنّ الخطاب الأصالي السائد لا يكلّف نفسه عناء التنظير للأصالة، ولا يسعى إلى تفكيك أسسها أو مساءلة شروط إمكانها، بل يكتفي بإعادة تشغيل آليات الماضي، باعتبارها المرجعية الوحيدة الممكنة. الأصالة، في هذا التصور، ليست فعل وعي، بل فعل استنساخ؛ ليست علاقة خلاّقة بالتراث، بل إقامة دائمة في ظلاله. وقد نبّه محمد عابد الجابري إلى هذا الخلل حين فرّق بين العقل الذي ينتج التراث والعقل الذي يستهلكه، معتبراً أن الخطر لا يكمن في التراث ذاته، بل في طريقة استهلاكه بوصفه سلطة لا نصّاً تاريخياً قابلاً للفهم والنقد.
يقدّم الأصاليون دفاعهم عن الأصالة لا بوصفها خياراً فكرياً، بل باعتبارها حقيقة مكتفية بذاتها، لا تُناقَش بل تُعتنَق. لذلك لا يُطرح السؤال: ما الأصالة؟ بل يُدان من يجرؤ على طرحه. وهنا تتحوّل البداهة إلى أداة قمع رمزي، ويُستبدل التفكير بالتلقين. وقد عبّر عبد الله العروي عن هذه الحالة بدقة حين اعتبر أن تقديس الماضي دون وعي تاريخي به ليس وفاءً له، بل هروبًا من الحاضر، وأنّ الأصالة التي ترفض الزمن إنما تحكم على نفسها بالتحجّر.
في هذا السياق، لا يكون الهجوم على الحداثة عرضًا جانبيًا، بل جزءًا بنيويًا من خطاب الأصالة. فالدفاع عن الذات لا يتمّ إلا عبر تشويه النقيض. تُقدَّم الحداثة بوصفها برّانية، دخيلاً، قطيعةً مع «نسيج التاريخ الثقافي العربي والإسلامي»، وكأنّ هذا التاريخ نفسه لم يكن تاريخ تحوّلات وصراعات وأسئلة. لقد نبّه طه عبد الرحمن، على الرغم من دفاعه عن المرجعية الأخلاقية الإسلامية، إلى خطورة الاستيراد الأعمى كما إلى خطورة التحصّن الأعمى، مؤكدًا أن الأصالة لا تعني الجمود، بل تعني الفعل من داخل المرجعية لا تعطيل العقل باسمها.
إنّ الإشكال الجوهري في خطاب الأصالة السائد هو خلطه بين الأصالة بوصفها جذورًا والأصالة بوصفها حدودًا. فالجذور تمدّ الكائن بالحياة، أمّا الحدود فتخنقه. وقد عبّر حسن حنفي عن هذا المعنى حين دعا إلى «التراث والتجديد» لا بوصفهما نقيضين، بل بوصفهما لحظة جدلية واحدة: التراث مادة، والتجديد وعي تاريخي بها. من دون هذا الوعي، تتحوّل الأصالة إلى أيديولوجيا محافظة، وظيفتها حماية البنى القائمة لا تحرير العقل.
إنّ أخطر ما في الأصالة حين تُفهم فهمًا سكونيًا، أنّها تُقصي الذات المعاصرة من حقّها في الفهم والتأويل. فالإنسان، في هذا التصور، ليس فاعلًا في التاريخ، بل مجرّد وارث. وقد أشار نصر حامد أبو زيد إلى أن تحويل النصوص إلى كيان متعالٍ خارج التاريخ هو في جوهره تعطيل للعقل باسم القداسة، وأنّ الأصالة الحقيقية لا تتحقّق إلا حين ندرك تاريخية الفهم، لا حين ننكرها.
الأصالة، إذن، ليست في تكرار الأجوبة، بل في القدرة على إنتاج الأسئلة من داخل السياق الحضاري. ليست في استدعاء الماضي ليحكم الحاضر، بل في محاورته ليُنير إمكاناته. الأصالة التي تخاف من السؤال تفقد مشروعيتها، لأنّها تتحوّل من وعي بالذات إلى خوف عليها. وحين يصبح الماضي معيارًا نهائيًا، يُختزل الحاضر في مجرّد ظلّ، ويُغتال المستقبل قبل أن يولد.
في المحصّلة، ليست المعركة بين الأصالة والحداثة كما يُصوّرها الخطاب التبسيطي، بل بين أصالة حيّة تعي تاريخيتها وتقبل التجدّد، وأصالة متحجّرة تتغذّى على وهم الاكتمال. الأولى فعلُ بناء، والثانية ردّة دفاعية. الأولى تُنقذ التراث من التحنيط، والثانية تُحوّله إلى متحف مغلق. وبينهما، يقف العقل العربي مدعوًّا إلى خيار صعب: إمّا أن يجعل من الأصالة أفقًا مفتوحًا للفعل، أو أن يرضى بها قيدًا ذهنيًا يُعفيه من مشقّة التفكير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى