
«فضيحة إبستين» ليست حادثة أخلاقية عابرة، ولا ملفًا جنسيًا يخص أفرادًا بعينهم، بل نافذة كاشفة على طريقة عمل السلطة في العالم المعاصر.
بينما ينشغل الخطاب العام بالفضيحة كـ«ترند» سريع الزوال، اخترت الابتعاد عن هذا التناول السطحي، لا زهدًا في الموضوع، بل رفضًا لتحويله إلى مادة أخلاقية تُستهلك سريعًا وتُغلق سياسيًا.
التعامل مع القضية بوصفها انحرافًا فرديًا، مهما بلغت بشاعته، هو في حد ذاته جزء من آلية الإخفاء والتعمية، ويخفي السؤال الأهم: كيف تحوّلت الفضيحة إلى أداة حكم؟ وكيف صار الابتزاز آلية لإدارة القرار في النظام العالمي؟
في تقديري، ليست وثائق «إبستين» مجرد أوراق في ملف انحرافات شخصية، بل مرآة تعكس البنية العميقة لإدارة العالم اليوم.
ما يُسوَّق للرأي العام بوصفه سقوطًا أخلاقيًا لأفراد، يخفي في جوهره شبكة ابتزاز ممنهجة، جرى فيها تحويل المعلومات إلى سلاح، وإخضاع قطاعات من النخب السياسية والاقتصادية والفكرية الغربية عبر ملفات سوداء تُدار في الظل، مع حضور انتقائي ومحدود خارج هذا المركز.
هنا تكمن الفضيحة الحقيقية: أن السلطة لم تعد تُمارَس عبر صناديق الاقتراع أو المؤسسات الديمقراطية، بل عبر التحكم في الأسرار، حيث تتحول تلك الأسرار إلى أداة ضبط، وتنقلب النخبة من صانعة قرار إلى رهينة، ومن واجهة حكم إلى أداة في يد قوى تتقن صناعة الفضيحة وتوظيفها عند الحاجة.
في هذا السياق، يصبح الابتزاز أحد أكثر أدوات السيطرة فاعلية في النظام الدولي. يكفي أن تُمسك بمفاصل الضعف الشخصي لصانع القرار، حتى يصبح القرار السياسي قابلًا للتوجيه، أو على الأقل قابلًا للتجميد والكبح في اللحظة الحاسمة.
وعلى هذا الأساس، لا تعود الفضائح مواد إعلامية عابرة، بل تتحول إلى ما يشبه «بنوك أسرار» تُستخدم لضبط إيقاع السياسة الخارجية، وتحييد الاعتراضات الداخلية، وتسهيل تمرير قرارات كبرى تتعلق بالاقتصاد أو السلاح أو الحرب.
الحروب الحديثة، بخاصة تلك التي خاضها الغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، يصعب فصلها عن هذا النمط من إدارة القرار. لم يعد السؤال: هل هذه الحرب ضرورية أو عادلة؟ بل: من يملك القدرة على تعطيلها؟ ومن يملك القدرة على تمريرها رغم كلفتها الإنسانية والسياسية؟
وهنا تظهر النخب المقيّدة، التي قد تعارض خطابيًا، لكنها تلتزم عمليًا بالصمت أو التواطؤ، لا اقتناعًا، بل خوفًا من كلفة الخروج عن النص.
بهذا المعنى، يجد الغرب نفسه أمام سؤال وجودي لا أخلاقي فحسب: كيف يمكن لمنظومة تدّعي قيادة العالم باسم الديمقراطية والشفافية أن تستمر على هذا النحو، وهي تعلم أن جزءًا معتبرًا من نخبها محكوم بمنطق الابتزاز، أو على الأقل قابل للانضباط عبر تهديد خفي لا يُرى؟
وما قيمة التداول السلمي للسلطة إذا كانت النخب التي يُدار بها هذا التداول خاضعة سلفًا لشروط غير معلنة؟
ليست القضية هنا مسألة انحرافات شخصية، مهما أثارت من اشمئزاز وتقزّز، بل أزمة نظام سياسي كامل، يُكشف يومًا بعد يوم أن ادعاءاته الأخلاقية تناقض بنيته الواقعية.
فالديمقراطية، حين تُدار من وراء الستار بملفات سرية، تتحول من نظام حكم إلى واجهة خطابية، تُستخدم للاستهلاك أكثر مما تُعبّر عن آليات القرار الفعلية.
والسؤال الأخطر، الذي يجري الالتفاف حوله بدل مواجهته، هو: كيف يتعامل العالم مع نخب يُشتبه في تورطها في جرائم أخلاقية جسيمة، وفي الوقت ذاته تُثار حولها تساؤلات جدية عن خضوعها لشبكات نفوذ وابتزاز عابرة للدول، ارتبط بعضها بأجهزة استخباراتية أجنبية؟
كيف يمكن الحديث عن سيادة قرار، أو استقلال سياسة خارجية، في ظل هذا القدر المفزع من الارتهان غير المرئي؟
بهذا المعنى، لا تمثّل قضية إبستين تهديدًا أخلاقيًا للنظام الغربي فحسب، بل تهديدًا سياسيًا لفكرة السيادة نفسها ولمضمون الديمقراطية.
الدولة التي يرتهن قرارها للابتزاز، مهما بلغت قوتها العسكرية أو نفوذها الاقتصادي، هي دولة تُدار من خارج مؤسساتها، حتى وإن رفعت عاليًا شعارات الديمقراطية ولوحت دائمًا بشارات حقوق الإنسان.
الامتحان الحقيقي لأمريكا والغرب الآن ليس في كشف أسماء أو إغلاق ملفات، بل في الإجابة عن سؤال السلطة ذاته: من يحكم؟ وكيف؟ وبأي ثمن؟
أما بالنسبة لنا في العالم العربي، فلا تكمن خطورة هذه الوقائع في سقوط الصورة الأخلاقية للغرب أو في فضائح نُخبه، بل فيما تكشفه عن طبيعة النظام العالمي الذي نتعامل معه منذ عقود.
نحن لا نواجه منظومة ديمقراطية شفافة تُدار وفق القواعد المعلنة، بل بنية مركّبة، تقوم على تداخل السياسة بالاستخبارات والمال، وتستخدم الابتزاز أداةً للضبط والسيطرة، وتعتمد على نخب محلية تؤدي دور الوسيط الوظيفي داخل هذه المنظومة الأوسع.
في نظام تُدار فيه النخب عبر الضغط والابتزاز، لا يُنتظر من العرب أن يكونوا شركاء في صناعة القرار العالمي، ولا أن يُعاملوا كذوات سياسية مستقلة، بل يُراد لهم أن يبقوا في موقعهم الوظيفي المحدد: خارج دوائر القرار، داخل دوائر الاستنزاف، ودائمًا في الهامش الذي يتحمّل النتائج دون أن يشارك في صياغتها.
ما أتمناه حقًا ألا ننشغل بسقوط الغرب أو أزماته، بل بأزماتنا نحن، وطرح السؤال الأصعب: كيف نتحرر من التبعية ونخرج من مواقع الارتهان نهائيًا؟