رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : الواقع ليس ما نراه

فكرة المكان المغلق والتواطؤ الصامت والثراء والقاصرات والجماعة المعزولة المتسلطة التي تمارس طقوسها الوحشية ليست جديدة في الادب الغربي وكما هو معروف في الرواية أن الواقع ليس ما نراه لكن الواقع الحقيقي هو ما لا نراه، أي الواقع المخفي وما يظهر هو سطح الواقع ، ومن الصعب اقناع قارئ غير متخصص على هذه الفكرة رغم انه يعيشها كل لحظة.
أول قاعدة في الفن الروائي هي أن الواقع ليس ما نراه بل المخفي وتحطيم الواجهة المزيفة وظيفة اخلاقية للرواية وكما قال كافكا:
“على الكاتب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد فينا”
لكن هذا ليس بلا ثمن في مجتمعات مغلقة تخاف من البوح أكثر مما تخاف من الجريمة لذلك تتراكم الجرائم الصامتة حتى الانفجار.
الواقع المادي الفيزيائي الظاهر امامنا ليس هو الواقع الحقيقي لان خلفه قوى هائلة وهو رقصة كهرومغناطيسية ومن شحنات لامرئية. فكيف يكون الواقع الاجتماعي ثابتاً وواضحاً؟ ومن رأى قانون الجاذبية الذي ينظم حياتنا وحركتنا؟
من بين تلك الروايات التي تناولت سادية ووحشية الجماعات الثرية المنحرفة المتسيدة رواية ” جزيرة الدكتور مورو” هربرت جورج ويلز 1896 عن رجل ثري يحول الحيوانات الى بشر في بيئة معزولة. المكان المعزول أو الجزيرة تيمة ثابتة في أدب التوحش بعيداً عن الرقابة كما ان الوحشية المشتركة تلغي الضمير وتتحول الجريمة الى عمل طبيعي.
رواية” أمير الذباب” ويليام غولدنغ 1954 الحائز على نوبل : في جزيرة مهجورة بعد سقوط طائرة يتحول فتيان الى وحوش يمارسون سلطة مطلقة في مكان مغلق ، وهو شرط التوحش العلني، لأن المكان المغلق يسقط الأقنعة.
حتى الروائية أجاثا كريستي دخلت على الخط في رواية” . ثم لم يبق أحد” وأيضا تدور في جزيرة معزولة كمصيدة تكشف عن جرائم هؤلاء. رواية” الشاطئ” أليكس غارلاند 1996 التي تحولت الى فيلم عن المجتمع المقنّع بالمثالية المزيفة .
جماعة نخبوية تبحث عن جزيرة نائية للممارسات الوحشية.
رواية ” الفتيات” إيما كلاين 2016 عن استغلال القاصرات في مكان معزول ، مزرعة، ويتحولن الى أدوات تسلية وحشية.
رواية” الوشم ذو التنين” للروائي السويدي ستيغ لارسون الذي أول من تنبأ وتوقع في ثلاثيته ” ميلينيوم” ظهور العنف في المجتمع السويدي يوم كانت الامور تبدو على ” سطح الواقع” مستقرة وعادية وسبق ان كتبنا عن الثلاثية مرات تحت عنوان: الأدب الاستباقي.
رواية” “أبناء الفوضى، إمبرتو إيكو 1980 كالعادة تمارس الوحشية في مكان مغلق هو دير في العصور الوسطى في مجتمع مغلق يلوح في الظاهر عكس حقيقته في الداخل. فكرة الجماعات المقنّعة المعزولة.
رواية” المريض الصامت”أليكس ميخائيليديس (2019، رواية” “تلك الوجوه الجميلة” تشارلي دونلي عن جرائم النخبة الثرية المنحرفة في الامكنة المعزولة كقناع.
رواية “صبية نيكل” للكاتب الأمريكي كولسون وايتهيد فازت بجائزة بوليتزر للرواية في عام 2020 تكشف الوجه القبيح للعنصرية حيث تقوم مدرسة اصلاحية بتعذيب واستغلال الطلاب السود الصغار جسديا ونفسياً وجنسيا ثم قتلهم ودفنهم في مقبرة سرية خلف المدرسة مستوحاة من قصة حقيقية في مدرسة في فلوريدا تم غلقها عام 2011 وتم العثور على عشرات الجثث لكن العنصرية حتى في المقبرة حيث تم دفن هؤلاء الفتيان السود في المقبرة السرية في الطرف الجنوبي للمقبرة بينما الرسمية في الطرف الشمالي. مستمر في قراءتها الآن بذهول وتوجد نسخة كملف على الشبكة.
لكن أين التشابه بين هذه الروايات عن الواقع الحقيقي المخفي وبين جزيرة جيفري ابستن الوحشية؟ أولاً، النخب الثرية المتسيدة التي في الظاهر عكس المخفي التي تعيش في واقعين بينهما مسافات هائلة، ثانيا: تواطؤ النخبة الشاذة على ممارسة الشذوذ لأن الممارسة الجماعية توفر الشعور بالعادية والأمان والسرية، ثالثا: العزلة كجزيرة أو دير أو بيوت سرية أو مزرعة أو شاطئ ورابعا: انعدام ” التكافؤ” بين النخبة المريضة المتوحشة وبين الضحايا في السلطة والمال والمكانة حيث لا تظهر الجريمة الوحشية كجريمة بل ممارسة فوارق طبقية ويتحول الثراء والسلطة الى قانون في حين يتلاشى القانون الحقيقي خلف أسوار الجزيرة.
رواية ” يوتوبيا” للمرحوم أحمد خالد توفيق أفضل مثال عربي للتوحش الذي تمارسه نخبة معزولة ضد فقراء وهو ليس انفصالاً أخلاقياً وطبقياً فحسب بل عبارة عن انفصال بيولوجي بين بشر ووحوش بشرية ورغم انها لا تدور في جزيرة منعزلة لكن في مكان اجتماعي معزول بالاسلاك الشائكة والاسوار وفي نظرهم الفقراء ليسوا بشراً بل طرائد صيد كما يرى أبستن ونخبته المنحرفة.
التوحش والتشوه لا يحتاج دائما الى جماعة لكي يمارس ويظهر بل يمكن ان يقوم به شخص بقناع ناعم وشخصية مزيفة وقصص ملفقة وسيرة مكيفة ولا يحتاج الى جزيرة منعزلة او شاطئ بل يمكن ان يمارس انحرافه في أي مكان متاح وتجارب البشر دليل على ذلك. النرجسيون الخفيون والسيكوبات من أخطر نماذج الانحرافات السامة بأكثر الأقنعة متانة ورقة.
العالم العربي ليس بعيداً عن عالم جيفري أبستن وما يجري في المعتقلات والحروب وفي الحصار الاقتصادي وخلف الواقع الظاهري قاد الى النتائج نفسها لكن بصمت وتحت ضجيج شعارات المثالية من دون حاجة الى جزيرة أو أمكنة معزولة أو أسلاك شائكة بل تفسر كمرحلة تحول أو قدر كما في روايات عبد الرحمن منيف وصنع الله ابراهيم ونجيب محفوظ. ويوسف ادريس.
الفارق بين وحشية أبستن وبين وحشية” يوتوبيا” هو ان الأولى تفسر كانحراف في الطبيعة البشرية وخلقت مجتمعا ساخطاً مصدوماً ، لكن في العالم العربي تفسر الوحشية ليس كإنحراف بل كعلامات صراع بين قديم وجديد في مرحلة تحول وهذا هو النفاق.
شخصية علاء في ” يوتوبيا” لم يولد وحشاً لكنه ولد في مناخ منتج للوحش وعليه ممارسة التوحش كهوية وفاء للطبقة والمأساة الكبرى هو تحول الضحية في أول فرصة تسلط الى جلاد وتمارس توحشها في مكان منعزل من باب التعويض والتنفيس عن عار وجرح سري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى