كتاب وشعراء

في قلبي وطناً مصغّراً…..بقلم ثناء أحمد

أحملُ في قلبي وطناً مصغّراً
كلّما تنفّستُ..
ينهارُ -في داخلي- حيٌّ من أحيائه

رأسي مدينةٌ بلا خرائط
مصابيحهُ مكسورةٌ
لكنَّي ما زالت أدفعها..
نحو الضَّوء
كي لا أنسى أن العتمةَ ليست دليلًا
بل نتيجة..

أمشي ببطء..
كناجيةٍ من قصفٍ مؤجّل
أجرُّ ظلِّي..
كما تجرُّ البلاد ذاكرتها
خطوةً.. خطوة
والوقت يُراقبني عند نافذة بيت دمشقي مهجور

متعبةٌ
ليس من السَّير
بل من الوصول المتكرّر إلى لا شيء..
أجلس على حافة نفسي..
كما تجلس سورية على حافة سؤالٍ ما زال ينتظرُ الجواب

روحي رطبةٌ كرغيفٍ خرج من فرن الحِصار
وأفكاري تتساقط
كسقوفٍ لم تحمِ أحداً

قلقي ليس ضعفاً
إنه جنديٌّ يقظٌ لم يتعلّم النَّوم
يحرسُ بقايا القلب من الغياب الكامل..
أسألُ:
هل الخوف عدوّ؟!! أم أنَّنا اعتدنا الخراب

وحيدةٌ..
كما هي المدنُ بعد الهدنةِ..
البيوتُ قائمةٌ..
والأرواحُ مؤجّلةٌ..
أُحادثُ الجدران
فتردُّ عليّ بأسماءِ من مرّوا
ولم يعودوا..
وحدتي مرآة تريني وجهي..
تُريني وجه البلادِ في انكسارٍ واحد

يأسي لا يصرخُ يجلسُ بهدوءٍ
في زاويةِ اللَّيل
يَعدّ الظِّلال كما تُعدّ الخسائر في نشرات الأخبار
أسأل النُّور فلا يجيب!!
هل هو محاصرٌ مثلي في لغةٍ لا تتّسعُ للنَّجاة؟!

خجلي يشبهُ خجلَ النَّاجين
أخفضُ صوتي..
أخاف أن تَسمعني الحياة..
فتُحاسبَني على بقائي..
ابتسامتي عابرةٌ..
كوقف إطلاقِ نارٍ..
غير مضمونةِ المصدرِ..
ولا تشملُ الجميع

موهومة..
آمنتُ طويلًا
أنَّ الأمَّهاتِ يملكن مفاتيحَ الأمان
وأنَّ الآباء يعرفون الطَّريق
وأنَّ المدارسَ تصنعُ المستقبل
لكنَّ الخيال كُسِر على بوابة الواقع..
وصار الحلمُ لاجئاً في رأسي

مجنونةٌ..
أضحكُ للظَّلام كي لا ينتصر
أكتبُ على الجدران..
لأُثبتَ أني كنتُ هنا..
أكتبُ على الجدران..
لأُثبتَ أن الحروفَ أقوى من الرَّصاص
حين تَجدُ قلباً يَؤويها
جُنوني ليسَ انفلاتاً
بل مقاومةً أخيرةً ضد التشيّؤ.

مهزومةٌ..
نعم مهزومةٌ..
لكنَّ الهزيمةَ ليست سُقوطاً
هي وقوفٌ طويلٌ في مهبِّ الأسئلة
أحملُ صمتي كما تحملُ بلادي أسماءَ قَتلاها..
لا للتعداد بل لئلا يُنسَوا

حزينةٌ..
والحزنُ حين يغمرُ الوطنَ
لا يعودُ شعوراً..
يغدو مناخاً..
الحزنُ يلفُّني كما يلفُّ اللَّيلُ مدناً بلا كهرباء
في داخلي وطنٌ
أنا وهو مكسوران
لكنَّنا ما زلنا نحاولُ أن نتعلّم النّطق
من تحت الرُّكام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى