رؤي ومقالات

علاء عوض يكتب:ثقب إبستين الأسود: كيف حوّل ترامب الوثائق إلى سلاح نجاة ؟ وماهي علاقة إيران بالتوقيت الذي سمح فيه ترامب بنشر الوثائق ؟

لم تكن قضية وثائق جيفري إبستين مجرد ملف جنائي لتاجر بالبشر أثار ضجة عالمية من تورط شخصيات ذات نفوذ سياسي واقتصادي وحضور ثقافي في العقل الشعبي
بل كانت ثقبًا أسود سياسيًا هدد بابتلاع عروش وقامات دولية، وكشف البنية العميقة لتحالف السلطة والمال والجنس. منذ لحظة القبض عليه في مطار تيتيربورو في يوليو 2019، وحتى وفاته المريبة بعد شهر واحد داخل زنزانته، ظلت الأسئلة تطارد إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتضخمت كرة الشك مع مرور الوقت بدل أن تنطفئ.
فهل كان موت إبستين مجرد نهاية مأساوية لمجرم؟
أم كان ضرورة سياسية لدفن لسان رجل، لو نطق، لتغير مجرى التاريخ، ولتحتشد أبواب السجون لاستقبال أسماء لامعة في عالم المال والسياسة والفن؟
على أي حال، الحقيقة الصلبة هي أن إبستين مات في زنزانة فيدرالية، في عهد دونالد ترامب، وتحت إشراف وزارة عدله، قبل محاكمة كانت مهيأة للانفجار في عام 2020 حيث انتخابات سوف ينافس فيها بايدن
رسميًا: انتحر إبستين
سياسيًا: اختفاء المجرم في اللحظة المثالية. لإنقاذ شركاؤه
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل قُتل إبستين؟
بل: من خرج من موته أخف وزنًا؟
وبالنظر إلى تطور الأحداث، نجد أن القصة لم تبدأ في 2019. ففي عام 2005، تقدم والد فتاة تبلغ من العمر 14 عامًا ببلاغ يتهم فيه إبستين باغتصاب ابنته. وفي عام 2006 تم القبض عليه رسميًا.
لكن النتيجة كانت ما عُرف لاحقًا بـ “صفقة العمر” عام 2008، حيث أقر بالذنب في تهم مخففة تتعلق بالدعارة مع قاصر، وقضى 13 شهرًا فقط في سجن محلي، مع السماح له بالخروج للعمل نهارًا، وهو تساهل اعتبره كثيرون آنذاك تساهلًا غير بريء، بل محميًا سياسيًا.
المدهش أن إعادة فتح الملف لم تأتِ بقرار مباشر من ترامب، بل نتيجة جهد صحفي استقصائي استثنائي قادته الصحفية جولي براون من صحيفة ميامي هيرالد، التي بدأت منذ عام 2017 نبش ملفات صفقة 2008 المنسية.
الدافع كان تعيين ترامب لأليكس أكوستا وزيرًا للعمل، وهو المدعي العام نفسه الذي منح إبستين صفقة الإفراج الذهبية.
تحقيقات براون، التي نُشرت أواخر 2018، أحدثت صدمة شعبية هائلة، ووضعت وزارة العدل، بقيادة ويليام بار، تحت ضغط قانوني وأخلاقي شديد للتحرك، ليس بدافع العدالة الخالصة، بل خشية أن تبدو الإدارة متواطئة في حماية مغتصب قُصّر تربطه علاقة تاريخية بترامب.
بعد وصول ترامب إلى الحكم، وفي 2019 تحديدًا، أُعيد القبض على إبستين بتهم فيدرالية جديدة تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرات ، في نيويورك وفلوريدا بين عامي 2002 و2005.
ترامب صرح أنه طرد إبستين من ناديه مار-أ-لاغو عام 2004 بعد خلاف، وأنه لم يتحدث معه منذ 15 عامًا حتى وفاته، لكنه لم ينكر في المقابل أنه كان يعرفه جيدًا لأكثر من 20 عامًا.
وهنا تتشكل المفارقة الحاسمة: إبستين، الذي وصف ترامب بالغباء والجنون، وجد نفسه في السجن تحت سيطرة الدولة التي يرأسها ترامب.
الوثائق التي رُفعت عنها السرية مؤخرًا كشفت أن محامي إبستين كانوا يتباحثون مع الادعاء العام حول إمكانية التعاون، أي تقديم معلومات عن آخرين، قبل وفاته بأسبوعين فقط. هذا المعطى وحده يفتح صندوق باندورا المليء بكل أشكال الرعب السياسي، ويزيد من الغموض حول توقيت انتحاره أو تصفيته.
فإذا كان هناك خصام تاريخي حاد بين ترامب وإبستين، وكان الأخير يمتلك ماضي ترامب القذر، فإن الشك يصبح منطقيًا. ففي رسالة إلكترونية عام 2011 إلى شريكته غيسلين ماكسويل، قال إبستين إن ترامب أمضى ساعات في منزله مع فيرجينيا جوفري، ووصف ترامب بأنه “الكلب الذي لا ينبح”.
وتؤكد الوثائق أن إبستين كان يتفاخر أمام معارفه بأن ترامب مارس الجنس لأول مرة مع زوجته الحالية ميلانيا على متن طائرته الخاصة، ويبدو من السياق أن ميلانيا كانت جزءًا من صفقة تعارف نظمها إبستين لترامب.
هذا الرابط الشخصي العميق يعزز فرضية أن تصفية إبستين كانت لحماية قدسية البيت الأبيض وحياة ترامب الخاصة من فضيحة لا يمكن احتواؤها، خاصة أن هناك قرائن سابقة تدعم هذا المسار، من بينها دعوى كايتي جونسون عام 2016، التي زعمت أن ترامب اعتدى عليها وهي قاصر في حفلة نظمها إبستين عام 1994، قبل أن تسحب الدعوى لاحقًا في ظروف توحي بترضية ما.
تتوقف فرضية قتل إبستين على عامل التوقيت. فمحاكمته كانت مقررة في عام 2020، عام الانتخابات الرئاسية التي كان ترامب يستعد فيها للفوز بولاية ثانية. وجود إبستين حيًا على منصة الشهادة كان سيعني استحضار ماضيه مع ترامب أمام الرأي العام، بينما موته امتص الغضب، وأتاح للسلطات أن تقول ببساطة: “لقد أُغلقت القضية”.
التزامن بين القبض عليه، ووفاته المريبة، والسيطرة الكاملة على وثائقه، يخلق بروفايلًا كلاسيكيًا لعملية تستر ناجحة إجرائيًا، لكنها فاشلة أخلاقيًا ومصداقيًا.
تعددت الثغرات التي دفعت كثيرين، بمن فيهم محاموه وعائلته، لرفض رواية الانتحار، من بينها كسر العظم اللامي لرقبة إبستين بما يؤشر الي أنه مات مخنوق ، وتعطل كاميرات السجن ، ونوم الحراس في تلك الليلة حسب زعمهم ورفع إبستين من قائمة مراقبة الانتحار رغم محاولة سابقة..
عندما داهم الـFBI منزل إبستين في مانهاتن، عثر على خزنة تضم أقراصًا صلبة، آلاف الصور، ماسات، وجوازات سفر مزورة. كل هذه الأدلة أصبحت تحت يد وزارة العدل في عهد ترامب، ومن يملك الدليل يملك القدرة على تضييعه أو انتقاء ما يُعرض منه.
وثائق 2026 كشفت فجوات زمنية في سجلات الأدلة من جزيرة إبستين، وتقارير فنية عن العبث بخوادم الكاميرات قبل وصول المحققين، كما كشفت أن مكتب وزير العدل تدخل في صيف 2019 لتحديد “أولويات التحقيق”، في محاولة واضحة لصرف الأنظار عن الشخصيات السياسية الكبرى.
لذلك
حين أفرج ترامب عن ملايين الصفحات هذا الأسبوع ، لم يكن يفتح الملف، بل يُغرقه. فالإغراق بالمعلومات أقدم حيلة لإخفاء الحقيقة.
لذلك لم يكن من المستغرب أن هذه الوثائق التي أثارت ضجة عالمية
لم تقدم “الدليل القاطع” ضد ترامب. الذي صرح في 1 فبراير 2026 بأن هذه الوثائق “تبرئه تماماً”، مستخدماً منطقاً يقول: “لو كان هناك دليل ضدي لظهر في هذه الملايين من الصفحات”.
لكن خصومه، مثل النائب “رو خانا”، يؤكدون أن الإدارة نشرت فقط “نصف الحقيقة”، وأن الوثائق التي تذكر اسم ترامب 1500 مرة تم اختيارها بعناية لتكون “باهتة” ولا تدينه جنائياً…
في هذا الإطار يمكن القول ان كثرة ذكر الاسم لا تعني الشفافية بالضرورة، بل قد تكون استراتيجية “الإغراق بالمعلومات غير الهامة” لإخفاء “المعلومات الحاسمة”
كما أن وزارة العدل الأمريكية الخاضعة لنفوذ ترامب اقرت بوجود تنقيح و حجب لبعض المعلومات
بينما كانت الوزارة تدعي أن التنقيح هدفه حماية الضحايا، تبيّن أن بعض الأجزاء المظللة كانت تخفي أسماء شخصيات نافذة وتفاصيل لقاءات اجتماعية، وليس فقط بيانات الضحايا.
​كما أقر “تود بلانش” (نائب المدعية العامة) بأن الإدارة حجبت بالكامل حوالي 200 ألف صفحة لأسباب تتعلق بـ “الامتياز القانوني” و”الأمن القومي”، وهو ما يراه الخصوم محاولة مباشرة لحماية ترامب والدائرة المقربة منه.
هذا العبث
حوّل علاقة ترامب بجرائم إبستين إلى إخراج قابل للإدارة .
التاريخ يؤكد أن “دفن اللسان” هو استراتيجية قديمة قدم الحكم نفسه. فالحكام لا يخشون الجيوش بقدر ما يخشون “الشهود” الذين يعرفون الحقيقة القابعة خلف القناع.
كان يوحنا المعمدان ينتقد علانية زواج هيرودس من زوجة أخيه (هيروديا)، وهو ما كان يزعزع شرعيته السياسية والدينية.
​النهاية: بضغط من زوجته، أمر هيرودس بقطع رأس يوحنا في السجن. الهدف كان “دفن اللسان” الذي يصرخ بالفضيحة لضمان استقرار الحكم. .
قبل موت إبستين، كان الخطر هو الشهادة الحية.
بعد موته، تحولت القضية إلى أوراق بلا لسان، وصور بلا سياق، وأسماء تُستخدم للحرق الإعلامي لا للمحاسبة. وهذا وحده مكسب استراتيجي لشخصية انتهازية مثل ترامب. .
ولأن السياسة لا تعرف المصادفة.
توقيت الإفراج عن الوثائق جاء لتحويل الأنظار: عن فضيحة خطف مادورو و ودافوس، و هرمز، والمضاربة في أسواق المعادن والمال ، ومشاكل إدارة الهجرة التي فجرت المظاهرات الشعبية ضده إلى ضجيج أخلاقي لا ينتهي.
انها سياسة إلهاء كلاسيكية. عن سياسته الفاشلة بعد ان حول البيت الأبيض لمصحة عقلية أبوابها ممزقة ومكبرات الصوت تعمل بأقصى صوت. كل يوم يحمل معه انفجاراً جديداً
ففي لحظة الأخيرة وجد ترامب نفسه محاصرًا: بعد فضائحه العقلية في قمة دافوس فهرب الي مضيق هرمز فوجد
إيران، الصين، روسيا، في انتظاره
وحاملات طائرات مكشوفة للأقمار الصينية،
وإيران مستعدة لاغراقه
فكان الحل: فضيحة قديمة تُدار بذكاء جديد. تسمح له
بالهروب تحت ظلها تماما كما هرب
حاملات الطائرات الأمريكية لتختبئ خلف جبال عُمان… بحثًا عن غطاء جغرافي يقلل من خطر الاستهداف المباشر. من الصورابخ الإيرانية والصدام مع الصين خاصة ان من كان يدفعه لمواجهة إيران هو نتنياهو لم يشفي جسده حتي الآن من جروح حرب 12 يوم واليوم إيران اقوي بمراحل .
فكانت الوثائق في هذا التوقيت والضجة العالمية التي أحدثها غطاء جيد للانسحاب
صحيح أن ترامب لم يخرج بريئًا أخلاقيًا من وثائق إبستين، لكنه خرج بلا محاكمة، وبلا شهادة مدمرة، وبملف ميت قانونيًا، قابل للاستخدام الإعلامي متى شاء. وفي عالم السياسة، هذا يُسمّى نجاة كاملة.
قد لا يكون ترامب هو من قتل إبستين، لكن المؤكد أنه أكبر المستفيدين من موته. وحين يختفي المجرم، ويتحول الخطر إلى أوراق، ويُستبدل الضغط بالضجيج، يصبح السؤال الحاسم: هل كانت هذه مجرد فضيحة، أم عملية هروب سياسي مكتملة الأركان؟
راسبوتين كان فضيحة متحركة للنظام القيصري في روسيا يعلم كل أسراره الخاصة ، قُتل لإسكاته، لكن القيصر نيقولا الثاني سقط بعدها بعام واحد وتم اعدامه فانتهي حكم عائلة
رومانوف
فهل ينجح ترامب في الهروب من النهاية السوداء لعائلة رومانوف، أم أن التاريخ، كما يفعل دائمًا، سيطالب ترامب بدفع الثمن؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى