رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :البربرية الجديدة

ــــ تطورت البربرية الجديدة عكس القديمة التي كانت تكتفي بالقتل، لكن الجديدة: القتل مع المتعة * أندريه مالرو، روائي ومفكر فرنسي.
ما هو الأساس السيكولوجي لعملية تعذيب الآخر والتمتع في الوقت نفسه حتى تصل الى تقطيعه الى أجزاء أو الإعتداء عليه جسدياً أو نفسيا؟
أريك فروم عالم النفس والفيلسوف الألماني الأمريكي الجنسية يحلل في كتابه” تشريح التدميرية البشرية ” الدوافع العميقة السيكولوجية التي تدفع نحو هذا السلوك المريض.
يقول فروم إن هذه النزعة لم تعرفها الأقوام البدائية وهو يفرق، عكس فرويد وغيره، بين نزعة الدفاع عن النفس وبين نزعة الهجوم والتدمير وهو سلوك جديد مرتبط بالحضارة والعقائد والأمراض وحسب فروم ان الانسان لا يولد عدوانيا بل يصبح بحكم البيئة والظروف.
الكائن النيكروفيلي المهووس بنزعة التدمير لا يحب الحياة المتغيرة بل يميل للسيطرة وللموت والجثة ويفسر النمو والتطور والرفض على انه خروج عن سلطته كما كان هتلر مستعدا لحرق المانيا لأن الهزيمة تعني له العدم وفقدان السيطرة كما كان صدام حسين يردد:
” من يستلم العراق يستلم أرضاً بلا شعب”
ومن جاء بعده رددوها بصيغ مختلفة لكن بالمعنى نفسه” نفتح أبواب جهنم، نقلب عاليها سافلها الخ”. العالم تحت سيطرة مرضى بأقنعة بشرية.
اريك فروم عكس فرويد يرى الفارق كبيراً بين العدوان البيولوجي الحميد للدفاع عن النفس في الحيوان والانسان وبين نزعة التدمير الخبيث للسيطرة والتمتع بالتعذيب التي لا توجد في الانسان الطبيعي ولا عند الحيوان الذي يكتفي بالدفاع عن نفسه أو بالشبع.
الشخصية النيكروفيلية التدميرية تنجذب نحو كل ما هو عفن وقذر وثابت لكي تسهل السيطرة عليه لانها تكره النضج والنمو والحركة والتطور لانه خارج سيطرتها.
يشرح فروم في كتابه هذا الصادر عام 1973 عبر تاريخ البشرية أن الحيوان لا يعرف مبدأ التلذذ بالضحية،
وهو يكتفي بالشبع وتلبية حاجته، ولا يعرف الانتقام أو الاستغلال،
والانتقام والتشفي والإستغلال والتمتع به من أجل مصلحة ما، مادية أو نفسية هو سلوك بشري، يجر معه تاريخ الفرد المرضي،
لأن الاستغلالي غرائزي نهم مكرس للاشباع البهيمي، بلا قيم ولا مبادئ ، ولا يعرف الخير ولا المشاعر السوية لكنه يحاكي ويتقمص سلوك الاخرين ويفعل حسب توقعاتهم منه،
وهو مفرغ من كل عاطفة طبيعية ومعبأ بسلسلة عميقة الجذور من العقد النفسية المشوهة وحياته قائمة على التمثيل ولعب الادوار والتقمص وعلى المستوى العقلي هو لم يتطور دماغه ولا يزال يعيش زمن الظلام والكهوف والديناصورات لكن من خلال الأقنعة وأثبتت الدراسات ان هؤلاء يولدون بلا مراكز الضمير في المخ لذلك لا يشعرون بتضامن ولا بعاطفة ولا ندم بل يشعرون بالاستحقاق لذلك ظهر فرع جديد في علم النفس يسمى علم نفس الظلام Dark Psychology لدراسة عالم هؤلاء الخفي المغطى بالاقنعة لان هؤلاء في ظلام نفسي أبدي رغم كل مظاهر القوة والاستعراض، في حين ينزع الانسان الايجابي نحو الدفاع عن قيم الخير والمحبة ويتضامن مع الآخرين ويتألم معهم.
لا يحدث تعذيب الآخر أو تقطيع الجثة، أو استغلال الضحية أو قتلها إلا بعد تحويل ” الآخر” الى” شيء” بحيث يسهل تحطيمه أو استغلاله أو تفكيكه الى أجزاء صغيرة، ولا يتعاطف هذا المريض مع” شيء” خلال عملية التفكيك أو الاستغلال،
كما لا يمكن أن يتعاطف الفرد خلال تفكيك أو تحطيم جهاز راديو أو سيارة أو طاولة أو كرسي،
لأن الخلفية المرضية تمتلك لغة تبرير وقناعات مشوهة مغروزة في العمق تساعد على تبرير العمل الوحشي وتحويله الى ” نصر”.
تحويل الآخر إلى ” شيء” يجعل الجاني عديم الاحساس به بل يثير فيه الانتقام والاستغلال نزعة الابتهاج والاثارة والقوة، لموت وتفسخ كل القيم والمبادئ الرادعة، وفي المقدمة الضمير.
التشيؤ Reification تحويل العلاقات الانسانية الى علاقات ميكانيكية لذلك كانت عمليات الذبح تجري في العراق على الأرصفة أمام جمهور متفرج يلتقط الصور وبعضهم اطفال يلتقطون الصور.
خلال هذه العملية الوحشية تكون متعة التعذيب الجسدية والنفسية مطابقة للرغبة الجنسية وفي حالات قد تقع الاثارة القصوى من منظر ضحية تصرخ وتتحطم،
تصل المتعة ذروتها عندما تصرخ الضحية لأنها تعيد الجلاد الى زمن الكهوف والغابات والسيطرة المطلقة، وقد نزل بضحيته الى أقل من مستوى الحيوان.
لا يعيش المتوحش صراعاً نفسياً لان الصراع والندم يحتاج الى ضمير وهو ميت او ملغي . يفعل ذلك ويقوم بتقطيع الضحية وفي الوقت نفسه يدخن ويمزح ويلتقط الصور قبل ذبح الضحية عكس تقاليد وطقوس الذبيحة أن تتم العملية في جو من الاحترام للذبيحة حتى في إختيار السكين على أن لا تكون صدئة وان تشرب الماء والخ.
هذا السلوك يفعله المتوحش ويستعرض قوته أمام ضحيته وهي في تمام عزلتها.
هذا الطقس العدواني يأتي في صور كثيرة من التعذيب وقد يمارس بعض اشكاله الضحايا على بعضهم للتنفيس عن دونية عميقة للتعويض عن عار داخلي.
إنه ” التشيؤ Reifcatioon الذي يجعل القاتل أو المريض يتبجح ويتمتع أمام ضحية عزلاء بريئة وهذا يحدث كذلك في العلاقات العامة بين الأفراد لأسباب كثيرة.
المجرم العدواني لا يفعل ذلك إلا بعد” تجريد” ضحيته من الحقوق بلغة تبرر،
لكي يشعر ان القتل المادي وحتى القتل الاخلاقي للآخر من حقوقه هو:
يقول أريك فروم في تحليل ظاهرة التشيؤ إن المنحرف يشعر في حالات كثيرة بالاستثارة والمتعة واللذة الجنسية بعد أن وجد” الشاحن” أو” وقود” اللذة لأنه كائن مريض ومعطوب يعي أم لا يعي حقيقة مرضه لكن” الغطاء” و” اللغة” الذاتية تبرران الجريمة: لا جريمة بلا تبرير. يفسر سيطرته على ضحيته نصراً وتفوقاً ومتعة.
هذه الشخصية المنحرفة قد تصل أعلى المناصب من خلال الأقنعة والتمثيل ولعب الأدوار ومن الخطر أن تتبنى عقيدة أو آيديولوجيا حيث تمارس جرائمها تحت غطاء وعنوان مزيف وهؤلاء يمارسون نزعتهم التدميرية تحت ذريعة سياسية واخلاقية وهذا التبرير هو القنطرة التي يعبر فوقها هؤلاء من كونهم بشراً الى كونهم وحوشاً بقناع ولا يسمي التعذيب تعذيباً بل حماية للحزب وضرورة للجماعة أو الثورة أو القضية حتى يتحول التطهير الجسدي والاخلاقي الى عملية ضرورية وعدالة وبدل بناء مستقبل يتم بناء هيكل هندسي لاشباع رغبة الانتقام الذي يسمى “تطهيراً”
من الخطأ الفادح الاعتقاد أن هؤلاء ليسوا حولنا وقربنا ومعنا لان هذا هو الخطأ الكبير الذي وقعت فيه البشرية منذ قرون ــــــــــــ ورسخته من بعد السينما ـــــــــــ في الاعتقاد ان الشرير شخص قبيح الشكل وواضح الصفات والمعالم والنوايا في حين أثبتت تجارب التاريخ حتى اليوم أن أفظع الجرائم الوحشية وعمليات الخيانة قام بها أشخاص من صنف” الملائكة” في المظهر العام لمتانة الأقنعة.
عندما يمارس المنحرف هذا السلوك الاجرامي تحت عنوان عقيدة سياسية يتحول المجرم الى بطل وتتحول الجريمة الى شرعية. هذه الشخصية المنحرفة لا تستطيع ان تبدع ابداً لأن الابداع يتطلب ذاتاً صافية نقية طبيعية وهؤلاء يعيشون بذوات ملوثة شريرة.
يقول اريك فروم:
” “إن الفرق بين البناء والتدمير هو أن التدمير لا يتطلب مجهوداً إبداعياً، لذا فإن الإنسان الذي لا يستطيع أن يبدع، يسعى لإثبات قوته من خلال التدمير.”
الشرير ليس مخلوقاً ذكياً إلا في نطاق الشر وهو مخلوق سطحي عكس الخير الذي يحتاج الى عمق والى نظافة داخلية والى مشاعر حية وصافية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى