رؤي ومقالات

د.فيروز الولي تكتب :اليمن بين منطق المحاسبة ومنطق الترقية

تشبيه اليمن بجزيرة إبستين لا يُقصد به الإثارة، بل توصيف لآلية إدارة الفضيحة.
فالفرق الجوهري بين الحالتين ليس في وجود الجريمة من عدمها، بل في طريقة تعامل المنظومة الحاكمة معها.
في حالة جزيرة إبستين، ورغم كل العوائق، سلكت الدولة مساراً قانونياً واضحاً:
تحقيقات، محاكمات، مساءلة، وسقوط أسماء كانت في قمة النفوذ.
الفضيحة هناك مثّلت تهديداً للنظام، فاضطر إلى التحرك لحماية شرعيته.
أما في اليمن، فالوضع معكوس تماماً.
الفضيحة لا تُعد خرقاً للنظام، بل جزءاً من آلية عمله.
كل من يثبت فشله، أو تورطه، أو عجزه عن إدارة ملف عام، لا يُحاسَب وفق معايير دستورية أو قانونية، بل يُعاد تدويره في موقع آخر، غالباً أكثر أماناً وأبعد عن الرقابة.
غياب مبدأ المسؤولية السياسية
جوهر الأزمة يكمن في غياب مبدأ المسؤولية السياسية:
لا ربط بين المنصب والنتائج
لا مساءلة على الأداء
لا محاسبة على القرارات
وبغياب هذا المبدأ، تتحول الدولة إلى كيان إداري بلا معنى دستوري، وتصبح المناصب أدوات حماية لا أدوات خدمة عامة.
الإشكال الدستوري والقانوني
من الناحية الدستورية، فإن استمرار شغل المناصب العليا دون تقييم، أو محاسبة، أو تفويض شعبي واضح، يمثل خللاً في الشرعية.
الدولة لا تُدار بالأشخاص، بل بالقواعد، وحين تُعلّق القواعد، تصبح السلطة واقعاً مفروضاً لا عقداً اجتماعياً.
الدور السلبي للنخب المساندة
لا يقل خطورة عن الفشل التنفيذي، دور بعض النخب السياسية والإعلامية التي تبرر هذا الخلل:
تشرعن الإخفاق
تطبع الانهيار
وتُفرغ مفهوم النقد من مضمونه
بهذا السلوك، تتحول النخبة من أداة رقابة إلى خط دفاع عن العجز.
الخلاصة
اليمن لا يعاني نقصاً في القوانين أو الكفاءات، بل يعاني من تعطيل متعمّد لمنطق المحاسبة.
وحين تُكافأ الإخفاقات بالترقي، ويُنظر إلى الفضيحة كخبرة، تصبح الدولة عاجزة عن الإصلاح، مهما تغيّرت الأسماء.
المشكلة ليست في المجتمع، بل في منظومة حكم تفصل السلطة عن المسؤولية، وتُبقي الحقيقة خارج دائرة القرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى