بين وهم القطيعة وضرورة المساءلة في نقد دعوات الانفصال المعرفي عن التراث….بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست دعوات القطيعة المعرفية مع التراث أو الماضي ظاهرة طارئة في الفكر العربي الحديث، بل هي إحدى أكثر الاستجابات حدّةً وارتباكاً أمام مأزق التأخر التاريخي وسؤال النهضة المؤجَّلة. غير أنّ هذه الدعوات، على اختلاف دوافعها وتبريراتها، غالباً ما تنطلق من وهمٍ معرفيٍّ جوهري: وهم إمكان البدء من فراغ، أو تأسيس وعيٍ جديدٍ بلا ذاكرة.
لقد نبّه عبد الرحمن بدوي مبكراً إلى أنّ القطيعة مع الماضي لا تُنتج حداثة، بل تُنتج اغتراباً مضاعفاً؛ إذ إنّ الوعي الذي لا يعرف جذوره يتحوّل إلى وعيٍ مستعار، يعيش على هوامش الآخر لا في صلب تاريخه. فالتراث، في هذا المعنى، ليس مخزوناً جامداً من النصوص، بل هو بنية للمعنى، وشرط إمكان التفكير ذاته.
من هنا، تبدو دعوات القطيعة الكلّية أقرب إلى ردّ فعل نفسي–حضاري منها إلى مشروع معرفي متماسك. إنها وليدة الصدمة أمام التفوق الغربي، ومحاولة استعجال القفز على التاريخ بدل تفكيكه. وهو ما عبّر عنه مالك بن نبي حين فرّق بوضوح بين مشكلتنا مع التراث ومشكلتنا في قابلية التخلف؛ فالخلل ليس في الماضي بما هو ماضٍ، بل في الحاضر العاجز عن تحويله إلى طاقة فاعلة.
لقد أدرك محمد عابد الجابري هذه الإشكالية حين طرح مفهوم العقل التراثي لا بوصفه عدواً للعقل الحديث، بل بوصفه بنية يجب تحليلها ونقدها من الداخل. فالقطيعة عند الجابري ليست قطيعة وجودية أو ثقافية، بل قطيعة إبستمولوجية محدودة، تستهدف آليات التفكير لا الذاكرة الجمعية. وهو تمييز بالغ الأهمية، لأن الخلط بين التراث كمنظومة معرفية والتراث كهوية حضارية يؤدي إلى استئصال الذات بدل تحريرها.
أما طه عبد الرحمن فقد ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر أن الحداثة التي تُبنى على إنكار المرجعية الأخلاقية للتراث هي حداثة عرجاء، فاقدة للبوصلة القيمية. فالتراث، في تصوره، ليس عائقاً أمام العقل، بل حاضنة أخلاقية له، ومن دونه يتحول العقل إلى أداة تقنية بلا ضمير، وهو ما نراه في كثير من نماذج الحداثة المنزوعة المعنى.
وفي السياق نفسه، رأى حسن حنفي أن المطلوب ليس القطيعة مع التراث، بل قلب العلاقة معه: أي الانتقال من تراث يُهيمن على الحاضر إلى حاضر يُعيد تأويل التراث. فالمشكلة ليست في وجود الماضي، بل في طريقة حضوره. إن الماضي الذي لا يُقرأ نقدياً يتحول إلى سلطة، أما الماضي الذي يُفكَّك ويُعاد بناؤه فيصير أفقاً للفعل.
إن دعاة القطيعة الجذرية ينسون – أو يتناسون – أن الغرب ذاته لم يبنِ حداثته على أنقاض ذاكرته، بل على إعادة قراءة تراثه الإغريقي والمسيحي قراءة نقدية. وقد أشار بول ريكور إلى أن كل تأويل هو في جوهره حوار مع الماضي لا محوه. فالحداثة ليست قتل الأب الرمزي، بل مساءلته.
وعليه، فإن القطيعة الشاملة مع التراث ليست موقفاً تقدمياً بقدر ما هي تعبير عن عجز معرفي عن التعامل مع التعقيد التاريخي. إنها رغبة في الراحة الفكرية، في استبدال صراع التأويل باستيراد جاهز، وفي الهروب من سؤال: كيف نكون حديثين دون أن نكون بلا ذاكرة؟
إن المشروع الفكري العربي لا يحتاج إلى مقصلة للتراث، بل إلى مشرط نقدي. لا يحتاج إلى نسيان الماضي، بل إلى تحريره من قدسيته، وإعادته إلى فضاء السؤال. فالأمم لا تتقدم بقطع جذورها، بل بتعقيلها، ولا تبني مستقبلها إلا إذا امتلكت الشجاعة لتقف في منتصف الطريق:
لا أسيرةً للماضي، ولا يتيمةَ الذاكرة.
في هذا التوازن الدقيق وحده، يمكن للعقل العربي أن يغادر مأزق الاستنساخ، ويشرع في إنتاج حداثته الخاصة، لا بوصفها قطيعة، بل بوصفها تحولًا تاريخيًا واعياً بذاته.