رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :وحوش خلف الباب

لو توفرت الفرصة والامكانيات والظروف لسيكوباتي ونرجسي خفي لفعل ما فعله جيفري ابستين حتى لو كان شخصا عاديا لأن هذا الصنف من المنحرفين يحول الرذيلة الى صفقة والانحراف الى هندسة علاقات منظمة ويبني جزيرته ولو في غرفة نوم .
جيفري أبستين نرجسي نخبوي ـــــــــــــ هذا الصنف أنواع تظهر جميعها تحت ستار الضحية أو المثالية ـــــــــــــ ويجد مكانته بين نخبة مجتمع مالية أو ثقافية أو سياسية وهو في الوقت الذي يوفر لهم المتعة لكنه يشبع رغبته في الاذلال عندما تصبح الرذيلة هوية مشتركة لم تعد تخصه وحده.
السيكوباتي والنرجسي الخفي مخلوق في قاعة كبيرة بمئات المرايا ولا يعرف أين مكانه في هذه المرايا لكنه يعرف مكان الزبائن وهو المهم لديه. لم يبن شبكة بل بنى نفقاً مظلماً وفي المجتمع المغلق يتم غلق النفق بدل فتحه للمحافظة على الواجهة والأقنعة والقلاع الخفية.
في حالة جيفري ابستين تم تحويل الشر الى شخص وهذا تزييف ، ثم ان هذا الشخص” إنتحر” وهرب من عالم المرايا المتعددة في غرفة بعد انكشاف الصورة الحقيقية وهو ما لا يتحمله السيكوباتي والنرجسي الخفي.
من بنى صورته على القوة واذلال الاخرين من الصعب جداً أن يرى نفسه عاريا بلا قوة. في عالم هذا الصنف الذي تناولته الرواية ليست هناك صورة حقيقية للذات بل مزيفة مصنعة لكنه يبحث عن مرايا من الخارج ـــــــــــــ لأن الداخل فراغ ــــــــــــــ لكي يتعرف على موقعه.
المرايا امتداد وليست هوية محددة لذلك هو في بحث دائم عن زبائن، مرايا، لتعكس صورته كمخلوق مهم ، لكنه يعرف ان المكانة في الداخل ومكانة الخارج تختفي من نهاية الحفل وانصراف الضيوف ويبدأ دورة عذاب. بالمناسبة هذا الصنف يخاف لحظة النوم ويفضل السهر لكي لا يواجه ذاته الطبيعية الملغية التي تخبره ان حقيقته ليست في الاقنعة ويكتفي بأربع أو خمس ساعات نوم وحتى بلا نوم في حالات .
السيكوباتي النرجسي الخفي ــــــــــــ غير النرجسي الظاهري المزعج لكنه ليس خبيثاً ــــــــــ عندما يحطم هوية الاخرين، ويغير شخصيته كل لحظة حسب كل شخص وزبون، إنما يحاول بناء هوية من هذا الدمار حوله لكنه يكتشف انه ” موجود” في لحظة تفتيت وتشويه هويات الآخرين وخاصة الضحايا الضعفاء. يخلق انطباعات مختلفة عند كل من يعرفه لذلك يصعب الاتفاق على رأي عنه لأنه ممثل بارع مع كل شخص. هؤلاء الوحوش خلف الباب وفي انتظار من يفتح ولا يحملون صفات الشرير الخارجية من مخالب وأنياب وعيون جاحظة بل في تمام الأناقة وتلك هي المصيدة والفخ.
لماذا لا نفترض أن جيفري أبستين قد إنتحر فعلاً خاصة أن السيكوباتي والنرجسي الخفي يتحمل كل أنواع العذاب حتى الموت لكنه لا يتحمل انهيار أقنعته التي بناها طوال حياته؟. على أي شيء يرتكز من بعد وقد انهار العمود الرئيس؟
كل شيء ممكن أن يتحمله إلا الخروج من غرفة المرايا المتعددة وعالم الأقنعة الى الوضوح وهو يعادل الموت لأن الذات المزيفة المختفية خلف أقنعة لا تخرج إلا بعد صدمة الانكشاف وتهشم المرايا ويجد نفسه في مواجهة العدم، الفراغ، الحقيقة التي قضى حياته هارباً منها وصنع عالماً موازياً .
يقول علماء النفس إن صاحب الذات المزيفة قد يلجأ الى الإنتحار للهروب من الضوء الساطع الى الزوايا المعتمة. لم لا يكون هو من يضع نهاية الحكاية لكي يخدع نفسه للمرة الأخيرة في أن الانتحار نوع من التفوق واستمرار الاستحقاق والشعور بالعظمة؟
السيكوباتي والنرجسي الخفي لا يخرج من عالمه المشوه بدون رحلة تفكيك للشخصية وهو أمر مستحيل لأن الذات المزيفة ترفض ذلك كما ان الذات الطبيعية اختنقت وماتت وكما قال عالم النفس دونالد ينيكوت:
“الذات المزيفة تُبنى لحماية الذات الحقيقية، لكن مع الوقت، تموت الذات الحقيقية من الاختناق، ولا يبقى إلا القناع.”
أكثر كلمة تتردد على لسان السيكوباتي والنرجسي الخفي هي” أختنق من الفراغ” ولقد قرأت أكثر من رسالة من زبائن جيفري أبستين تردد هذه العبارة وتطلب منه المساعدة وهو كل ما ينتظره.
للخروج من الذات المزيفة يجب اعادة بناء صياغة الشخصية من جديد وتعلم كل شيء من جديد كطفل لكن السيكوباتي والنرجسي الخفي سواء كان متعلماً أو استاذاً أو فلاحاً أو ربة بيت أو أميّا يرفض الاعتراف بحالته مطلقاً مع ان هؤلاء يحملون سمات التلاعب والخداع نفسها ويتقاسمون كل الصفات المنحرفة دون أن يعرفوا بعضهم ومن قارات مختلفة كما يشعر مرضى الأمراض الجسدية بالأعراض نفسها .
عندما سئل أحد هؤلاء تحت العلاج:
” كيف تمارسون ألاعيب الخداع نفسها وانتم من أماكن ودول مختلفة؟ ” أجاب” هل عندما تشعر برغبة جنسية تحتاج من يعلمك؟ هذه المشاعر تأتينا من الداخل”.
اكثر الاوقات سقوطا للاقنعة هي العواصف والمنعطفات السياسية والحربية الحادة والكوارث الطبيعية حيث تسقط الاقنعة ويُصدم الجميع بوجوه الجميع كما لو كانوا طوال حياة كاملة في حفل تنكري بالاقنعة. هذه دورة سبات السيكوباتي والنرجسي الخفي التقليدية.
هل يختار هؤلاء السلوك والعاهات المنحرفة؟ الجواب مركب وليس بالابيض والأسود، أو نعم ولا ، لأنه يدخل في عالم تختلط فيه البيولوجيا والبيئة والتربية. هناك من يعتبر السيكوباتي والنرجسي الخفي مريض عضويا بسبب صغر حجم أو حتى غياب اللوزة الدماغية Amygdala مركز الضمير والمشاعر لذلك لا يشعر بندم او عاطفة لكنه يحاكي ويمثل ومخطط بارع وطويل النفس كحيوان مفترس في حالة قنص ـــــــــــــــــ وهو وصف علماء النفس ـــــــــــ ويعرف كيف ومتى يختار الوجه المناسب للحدث والشخص المناسب وقد يظهر كملاك وقد يظهر كمجرم فجأة حتى في اطار علاقة طويلة كشريك أو صديق أو زميل عمل.
في المجتمع المغلق من الصعب جداً اكتشاف هؤلاء وهم حولنا وقربنا لأن الثقافة الشرقية تميل الى تسطيح الظواهر بالأبيض والأسود، جيد وسيئ، وسلبي وايجابي وهذه الاختزالية Reductionism خاصية العقل المتخلف الذي لا يبسط الحقيقة بل يعدمها.
ـــــــــــــ خلال السنوات الماضية كتبت مقالات عدة عن شخصية السيكوباتي والنرجسي الخفي لان هذه الشخصية تختفي في مجتمعات مغلقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى