كتاب وشعراء

بلاغة اللغة و الصوت السردي للعزلة في «مئة عام من العزلة»…..بقلم ربا رباعي الاردن

الراوي، النبرة، ونظام الضمائر بوصفها آليات لإنتاج العزلة
لا تقتصر العزلة في «مئة عام من العزلة» على بعدها الموضوعاتي أو الاجتماعي، بل تتأسس، على نحو أعمق، داخل البنية الصوتية للنص. فالصوت السردي—بمستوياته المختلفة—لا ينقل العزلة بوصفها تجربة تعيشها الشخصيات فحسب، بل يُنتجها لغويًا، ويُعيد تدويرها سرديًا، حتى تغدو مكوّنًا بنيويًا من مكوّنات العالم الروائي.
1. الراوي: سلطة المعرفة المؤجَّلة
تعتمد الرواية على راوٍ عليم كليّ المعرفة، غير أن هذه العِلْمِيّة لا تُمارَس بوصفها كشفًا أو إيضاحًا، بل بوصفها تأجيلًا دائمًا للمعنى. فالراوي يعرف المصائر والنهايات واللعنات، لكنه لا يمنح الشخصيات أي إمكان للفهم أو للاختيار. ووفق تصنيف جيرار جينيت، نحن أمام راوٍ خارج-حكائي (extradiégétique) عليم، غير أن علمه لا يُترجم إلى وظيفة تفسيرية، بل إلى هيمنة صامتة.
هذه المفارقة—راوٍ يعرف كل شيء وشخصيات لا تعرف شيئًا—تُنتج فجوة معرفية ثابتة تتحول إلى شكل من أشكال العزلة السردية. فالراوي لا يعلّق، لا يُقوّم، ولا يوجّه القارئ أخلاقيًا؛ إنه يسرد كما لو كان يُسجّل. وبذلك، تتحول العِلْمِيّة من أداة إيضاح إلى أداة قدرية، ويُقصى القارئ نفسه عن المعنى النهائي، شأنه شأن الشخصيات.
وتبلغ هذه السلطة ذروتها في نهاية الرواية، حين يتطابق صوت الراوي مع صوت مخطوطات ميلكيادس، فينكشف أن الصوت السردي لم يكن شاهدًا محايدًا، بل جزءًا من البنية المغلقة التي تحكم العالم الروائي، وأن السرد ذاته هو أحد أشكال القدر.
2. النبرة: الحياد بوصفه استراتيجية بلاغية
تتسم النبرة السردية بثبات لافت، أقرب إلى البرودة أو الحياد التام. فالميلاد، الموت، الجنون، الحب، والمجزرة تُروى جميعها بالنبرة نفسها، دون تصعيد انفعالي أو اختلاف أسلوبي. هذا التساوي النبري ليس عرضًا أسلوبيًا، بل استراتيجية بلاغية واعية تهدف إلى نزع الاستثناء عن المأساة.
حين تُروى الكارثة باللغة نفسها التي تُروى بها التفاصيل اليومية، تفقد الفاجعة طابعها الصدمي، وتتحول إلى عنصر طبيعي داخل النظام السردي. وهكذا، لا تعود العزلة حدثًا يستدعي الاحتجاج أو الانفعال، بل حالة اعتيادية لا تُثير الدهشة. إن اللغة هنا لا تصرخ، ولا تحتج، ولا تحزن؛ وكأنها فقدت قدرتها على الغضب.
من هذا المنظور، يمكن القول إن الحياد النبري لا يُخفّف من قسوة العنف، بل يزيدها، لأن المأساة تُروى بلا حداد، والعنف بلا صراخ، ما يرسّخ الإحساس بأن العالم السردي مغلق على ذاته وغير قابل للتغيير.
3. الضمائر: هيمنة الغائب ومحو الذات
على مستوى نظام الضمائر، تهيمن صيغة الغائب هيمنة شبه مطلقة. نادرًا ما يتكلم الأفراد بضمير المتكلم، وحتى حين يظهر «الأنا»، يكون عابرًا، غير مؤسِّس لصوت ذاتي مستمر. وبهذا، تُسلب الشخصيات حقها في امتلاك خطابها الخاص.
هذا الخيار الصوتي يُنتج أثرًا دلاليًا حاسمًا: الشخصيات موجودة في النص، لكنها غير حاضرة صوتيًا. تُرى ولا تُسمع. تُحكى ولا تتكلم. تتحول العزلة من تجربة نفسية إلى بنية لغوية، حيث يُمحى الصوت الفردي لصالح سرد خارجي دائم.
أما ضمير الجمع («نحن»)، فيكاد يغيب تمامًا، ما يعكس استحالة تشكّل وعي جماعي ناطق. ووفق منظور باختين، لا تتحقق هنا تعددية الأصوات (polyphony)، بل على العكس، يهيمن صوت واحد يختزل الجميع، ويمنع تشكّل أي حوار حقيقي داخل النص.
4. تواطؤ الصوت والزمن
يتكامل هذا البناء الصوتي مع البنية الزمنية الدائرية للرواية. فثبات النبرة، وهيمنة الغائب، واستمرار الصوت العليم، كلها عناصر تُنتج إحساسًا بأن الزمن لا يتقدّم لأن الصوت لا يتغيّر. التاريخ يُعاد لأن اللغة التي ترويه لم تتبدل.
من منظور سردي، لا يعيد الزمن نفسه فقط، بل يعيد الصوت الذي يرويه. وهكذا، يصبح السرد آلية لإعادة إنتاج القدر: طالما أن الراوي يتكلم بالطريقة نفسها، وعن الشخصيات بالطريقة نفسها، وبالضمائر نفسها، فإن النهاية تظل مكتوبة سلفًا.
خلاصة صوتية–تأويلية
ليست «مئة عام من العزلة» رواية عن الصمت، بل عن الكلام الذي لا يُنقذ. فالصوت حاضر، لكنه بلا فاعلية؛ اللغة تتكلم، لكنها لا تُغيّر؛ والراوي يعرف، لكنه لا يتدخل. وبهذا، تتحول العزلة إلى نتيجة مباشرة لبنية صوتية مغلقة، يُروى فيها العالم دائمًا من الخارج، ولا يُتاح له أن يتكلم من داخله.
ولهذا تحديدًا، لا تنتهي العزلة، لأن الصوت الذي يُنتجها يظل ثابتًا، محايدًا، ومتعاليًا على الزمن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى