
لعلّ إحدى أزمات الثقافة العربية اليوم، وأكثرها نكوصًا بأفرادها، هي أزمة التعاطي مع الأفكار والمفاهيم وأصول الثقافة العربية الغنية التي نعتزّ بها أيّما اعتزاز.
وكذلك أزمة النقد، الذي هو إمّا غائب تمامًا، ويُنظر إليه من قِبل الكثيرين بوصفه أداة من أدوات التدمير البنيوي للنصوص، أو يُتعاطى معه باعتباره سلاحًا مسلّطًا على الآخر بوصفه «مردّ الداء» و«سبب المحنة»، في حين أنّه، إذا ما انصبّ على الذات وساءل الهوية العربية اليوم في مكوّناتها وأسسها، لا بدّ أن يكون كاشفًا عن أدواء تعاني منها هذه الثقافة، وتنفر من النظر إليها ومواجهتها.
إنّ التعاطي مع الأفكار والمفاهيم والتصوّرات الثقافية من موقعٍ سجاليٍّ دفاعيّ يقلّل من إمكانية تفكيكها وتحليلها لإدراك طبقات المعنى فيها، ويجعل من تحديد مضامينها المعرفية، وتحولاتها التاريخية، ودلالاتها المنطقية، عمليةً غير ممكنة، الأمر الذي يُسقط العقل في عدمية إبستمولوجية، تغيب معها كل مساءلة نقدية للمفهوم من حيث تاريخيته وأطره المعرفية وكيفية انبنائه. وهو ما يجعل حقل إبستمولوجيا العلوم الإنسانية «الثقافية» محورًا لتوصيف الارتجاج المعرفي الكبير الذي مسّ بناء العلم والثقافة والفكر في اللحظة المعاصرة.
ويمكن القول إنّ النزعة العلمية ظلّت، إبستمولوجيًا، واثقةً من ذاتها وبنائها المفاهيمي والمنهجي؛ فعلى الرغم من المراجعات النقدية العديدة التي أُنجزت عبر تاريخ العلم الإنساني والثقافة الإنسانية، لم يكن أثرها نافذًا إلى حدّ المساس بالبناء المعرفي العلمي من جهة أسسه المتجذّرة في الوجود الإنساني، بل كانت في معظمها تعديلات في المفاهيم والمدلولات والنظريات. وحتى الثورات العلمية الكبرى التي بدّلت نماذج التفكير في كليّتها – بلغة توماس كوهن: بدّلت «الباراديغمات» العلمية، وأحدثت قطيعات، بمدلولها الباشلاري – لم تنتهِ إلى مساءلة العلم ذاته، وإنما انحصرت في مساءلة النظرية العلمية السائدة، لتُنزِلها من عرش هيمنتها على التفكير العلمي، وتُحِلّ محلّها رؤية بديلة.
ومن أشهر التحولات الجذرية التي شهدتها الفيزياء القديمة تلك التي حدثت مع النظرية الكوبرنيكية؛ فرغم حدّة الانعطافة التي دشّنتها في تاريخية الوعي الفيزيائي، فإنها لم تُؤزِم علم الفيزياء ذاته، ولم تُساءل أسسه، بل انصبّ نقدها على نظرية بطليموس حصراً، إذ غيّرت طريقة رؤية الفيزيائيين للسماء وحركة الأفلاك.
غير أنّه منذ منتصف القرن التاسع عشر، وطيلة النصف الأول من القرن العشرين، شهد الفكر الإنساني حراكًا معرفيًا متميّزًا خلخل البُنى المعرفية والعلمية والثقافية من حيث مرتكزاتها المنطقية، ليُفضي إلى ما سيُصطلح على تسميته بـ«أزمة إدراك المفاهيم»، وهي أزمة دفعت العلماء والمثقفين إلى استشعار وعي إبستمولوجي قَلِق، يُساءل صدقية المفاهيم والمنهجيات العلمية ومشروعية أسس النقد الثقافي، بل أوصلهم إلى الوقوع في عدمية معرفية انمحت فيها الدلالة، فانتصبت أزمة المعنى بكل شموليتها وجذريتها.
وقد تعترض القارئ مفارقةٌ لافتة عند تأمّل وضعية الفكر والثقافة والعلم في القرن الحادي والعشرين؛ إذ قد يظنّ أنّ هذه الأزمة العميقة كان ينبغي أن تنعكس على الإنتاج المعرفي فتُصيبه بالاهتزاز والضمور، غير أنّ العكس هو ما حدث. يقول إدغار موران:
«في الوقت الذي يشيّد فيه قرننا الحادي والعشرون صرحًا رهيبًا من المعارف، يغوص – وبشكل مذهل – في أزمة أسس المعرفة الفكرية والثقافية والعلمية».
إنّ أزمة إدراك المفاهيم، التي بلغت من الجذرية حدّ إيصال التفكير العلمي إلى حالة افتقاد الأساس وغياب المعنى، لا تعني انهيار الممارسة العلمية أو عجزها عن الاكتشاف والإبداع، بل إنّ التأزّم مسّ أساس العلم ولم يمسّ حركته. وهذا ما جعل هايدغر يذهب – خلافًا لإدموند هوسرل – إلى أنّ «أزمة إدراك المفاهيم» لا تطاول سوى البنية المفاهيمية العميقة للفكر والثقافة والعمل، دون أن تمسّ صيرورة الفعل العلمي ذاته.
ومن اللافت أنّ هذه الأزمة، وإن كانت قد بدأت في الرياضيات سنة 1897 بمفارقة بورالي–فورتي المتعلّقة بنظرية المجموعات، فإنّها سرعان ما تمظهرت في حقول أخرى كالمنطق والفيزياء والبيولوجيا، وفي توقيت متقارب، ما أشعر العلماء بوجود أزمة شاملة تستدعي مراجعة نوعية للأسس المنهجية للنماذج المعرفية، سواء أكانت استنباطية صورية أم استقرائية تجريبية.
وتكمن حدّة هذه الأزمة في أنّها لم تقتصر على إشكالات جزئية أو عوائق إبستمولوجية تعترض نظرية بعينها، بل مسّت البناء العلمي والفكري والثقافي بأكمله – العربي والغربي معًا – في أعمق أسسه، فأشعرت العلم، للمرة الأولى، بأنّه بلا أساسٍ مكين. وقد شهد مطلع القرن العشرين نقاشات ثرية شارك فيها مفكرون وعلماء من خلفيات فلسفية وعلمية وثقافية متعدّدة، من بينهم: أينشتاين، وهيزنبرغ، وكارل بوبر، ولاكاتوش، وفيراباند، كما شارك فيها مفكرون عرب مثل فرج الشريطي، وعفيف بربوش، ومحمد أركون، وعبد الوهاب شعلان.
ولم يُغفل هذا النقاش استحضار التراث الفلسفي، من ابن رشد وابن عربي، مرورًا بهيوم، وكانط الناقد لأنطولوجيا السببية، وصولًا إلى مساءلة البنى المفاهيمية المعتمدة في المقاربة الفيزيائية للوجود، وعلم الفلك العربي، والتصوف الإسلامي.
ومن أهم النتائج المترتبة على هذا الوعي، إدراك أنّ الهوية – سواء أكانت الهوية الثقافية العربية الإسلامية أم الهوية الغربية – ليست معطًى ثابتًا، بل مجالٌ للتغيير والتحوّل، وأرضٌ للتلاقح والتفاعل مع الآخر، إيمانًا بأنّ الحقائق ليست سوى مواضعات إنسانية هدفها الإصلاح في الأرض وتعميرها والحفاظ على الجنس البشري والارتقاء به. كما يفضي هذا الوعي إلى ضرورة تجاوز ثنائية الخاص والعام، التي لا تنتج سوى أخاديد القطيعة داخل المجتمع، وتعطيل إمكانات الحوار بين مكوّناته.