
قصَّة للأطفال
شرعَ الطائرُ الجريحُ ينقرُ زجاج النافذة بشدَّة عندما بدأ قرصُ الشَّمس الدَّامي يختفي خلف الأفق رويداً رويداً، ثمَّ وفي لحظةٍ غامضة تمرُّ نسمةٌ باردةٌ في الأجواء تُنذر بالخطر وتجعل الطائر يطلب النجدة من “رهف” التي شنَّفَتْ أُذنيها، ثمَّ ذهبت باتجاه الصوت فإذا بها تُفَاجَأ بطائرٍ ملوَّنٍ.. ناعم الريش.. كبير الحجم ينزفُ دماً.
لامسَ منظر الطائر الجريح نبض قلبها الرقيق بكلِّ ما فيه من مشاعر عميقة، وهَمَّت بفتح النافذة لإدخاله والاعتناء به فهو طائر مسالم يبغي الحرِّيَّة والنجاة من الصيادين؛ لكنَّ يدَيْها الصغيريتَيْن لم تتمكّنا من الإمساك به، فخارَتْ قواه وسقط إلى الأسفل مُصدراً صوتَ الأنين بقلبٍ جريحٍ ونفسٍ مُفعمة بالألم.
أمَّا “رهف” فقد أخذت تنظر إليه بقلقٍ، وهي تبكي بحرقة حتَّى إنَّ ثيابها قد ابتلَّت بدموعها.. هذه الدموع التي لم تتوقَّف إلا عند وصول جارتها “رحمة” الفنانة التشكيليَّة التي سارعت إلى نجدته في آخر لحظة، فإذا به يسقط فوق كفَّيها، جريحاً.. مهيض الجناح. ما جعلها تضمُّه بحنان إلى صدرها، وتقول:
-“آهٍ.. يا صغيري مَنْ فعل بك ذلك”؟ ثم صعدت بسرعة إلى شقَّتها، وهناك وجدت الصغيرة في استقبالها تنظر إلى الطائر بعينيها وروحها وتُردِّدُ بإلحاح:
-“كيف حاله؟ هل ينتظره الموت؟”.
فتجيب “رحمة” قائلةً:
-“لا.. لا.. إنَّ إصاباته بسيطة سأعالجه ليشفى”.
أثلجت هذه الكلمات صدر “رهف” وأشعرتها بالراحة؛ لكنَّ دمعةً كبيرةً لم تتحمَّلها مقلتاها سقطت على وجنتيها الصغيرتين.. كانت هذه الدمعة تعبيراً عن شعور الخوف والحسرة… كانت تعبيراً عن مشاعر الأطفال جميعاً في صنع سماء أفضل لهؤلاء الطيور.. إنَّها أمنية مجيدة جعلت “الطفلة” تنظر إلى الحياة كما لم تنظر إليها من قبل، فها هي تدخل وراء “جارتها” وتساعدها في معالجة جراح الطائر حتَّى إذا ما انتهَتْ من فعل ذلك أسرفَتْ في إطعامه، ولمسه برأفة، وتقبيله بحبٍّ.
لقد أصبحَتْ صديقة حميمة له، وكم طلبت من “رحمة” رسمه؛ لكنها لم تفعل ذلك أثناء معالجته فقد اختزنت في مخيِّلتها صوراً وصوراً، لكنَّ مشهد الطائر وهو يسبح مادَّاً جناحَيْه في السماء كان الأحبّ والأكثر إغراءً بالنسبة لريشتها..
هذا المشهد الجميل أضاء النور في قلب “رهف” فشرعت ترقصُ رقصة الصباح في عرس الألوان في فجر الصيف المُشرق وتقول:
-“يا له من منظر رائع..!”.
فتجيبها “رحمة”:
-“نعم.. إنَّه مشهدٌ جميلٌ؛ لكن أتمنَّى أن ينجو من الصيادين”.
بقلم: نجاح الدروبي
2025