رؤي ومقالات

محمد المحسن يكتب : الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المناضل الفذ شكري بلعيد

من صوت واحد إلى صدى لا ينتهي : شكري بلعيد..واستمرارية السلسلة المقدسة

“إذا كانت الحرية شيئا مقدسا ومبدأ لا يمس..فلا يمكن أن يكون هناك ما يبرر التلاعب بها.”
( ايزيا برلين في كتاب “حدود الحرية”**)

في لحظات التحول التاريخي الكبرى،يبرز أفراد يصبحون تجسيدا حيا لصراع القيم بين الحرية والاستبداد،بين الكرامة والخنوع.شكري بلعيد لم يكن مجرد محام أو سياسي اغتيل في ذروة صراع هوية الأمة،بل كان تجسيدا لروح الثورة التي انطلقت شرارتها الأولى في تونس لتهز عروش الطغاة في كل المنطقة.كان صوته الجريء يخترق جدران الصمت والخوف،وكانت كلماته شعلة تنير درب التغيير في زمن التردي الأخلاقي والسياسي.
وقد وهب حياته ليرسخ في الضمير الجمعي أن الثورة ليست حدثا عابر،بل هي قيم تتجسد في الإنسان الحر الذي يرفض الانكسار.لقد تحول من شهيد لحظة إلى رمز أبدي،يُذكرنا بأن صوت الحق قد يُسكت جسدا،لكنه يخلد فكرة لا تقتل. فاستشهاده لم يكن نهاية مسيرة،بل كان شرارة التحدي التي توقد في الأجيال القادمة إيمانا بأن درب الحرية،وإن رُصف بالآلام،فهو طريق لا رجعة عنه.وهكذا يبقى بلعيد حيا في كل صرخة ترفض الظلم،وفي كل خطوة تتجه نحو غد كريم.
وإذن ؟
ها أنت-يا شكري-تغادر المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض..
وها أنت الآن أيضا في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق والتردي إلى مسوخية ما قبل الحيوان..
وها هي رفيقة دربك تفتح حضنها-لنيروز وندى-وتختزل-بصبرها الجميل-هموم الدنيا لتصير كل القضايا..مهما تناقضت وكل الأوطان،تلوّح،لا لتكون بطلة أو رمزا،بل ضجيجا يزعج الضمائر..يربك القلوب الباردة..شرارة خاطفة عسى العميان يبصرون،وقصيدة لا يقوى على فك رموزها شعراء الحداثة..
ها أنت-يا شكري-ترسم بدمائك الطاهرة دربا مضيئا يعرف آفاقه جيدا عظماء التاريخ وكل الذين سلكوا درب الحرية من الأبطال والشهداء منذ فجر الإنسانية:صدام
حسين،سبارتكوس،عماربن ياسر،عمرالمختار،يوسف العظمة،شهدي عطية، الأيندي،غيفارا وديمتروف..وقد تجلّت في شجاعتك كما في رفضك الصارخ،بطولة الإستشهاد وتجسّدت في نضالاتك آسمى أشكال الفعل الإنساني النبيل..
شجاعتك لم تولد صدفة بل ارتوت جيدا من منابع الإنسانية الفذة حيث تعزف الحرية لحن الخلود،وترفرف الكرامة بجناحيها عاليا ثم تحوم حول أضرحة الشهداء..
وأنتم أيها الأحرار..هل صادفتم الحرية في منعطفات الدروب؟
هل صادفتموها إلا في جيوب الشهداء المحشوّة بالرصاص،إلا في حقائب المهاجرين الذين شردتهم أوطانهم وأوهام الشعراء..
هل سمعتم بإسمها إلا في الخطابات الرنانة،روايات المعارك والملاحم والبطولات؟..
من عرفها إلا تمثالا وبيارق،شعارا ونشيدا..من دقّ ب”اليد المضرجة”بابها ففتحت له ودخل ملكوتها..؟
من شارك الحشود في أعراسها قبل أن يعود إلى بيته كئيبا ووحيدا..؟
الحرية يا-شهيدنا الفذ-شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء..إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح،وتعوي مع ذئاب الفيافي..قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء..أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر..رجف يستبدّ بالأرض قبيل إنبلاج الصباح..كلمة حق جاسرة تنطلق سهما مارقا ليستقرّ في مآق تقطر بالدّماء..
ولكن..
لسنا ندري لماذا ينسب للحرية غالبا لون الدّم،مع أنّه أصلا الدليل القاطع على غيابها..؟ !
لماذا يقترن إسمها بأحداث ملفقة وأفكار مزوّرة،كأنّ الواقع المترجرج وحده لا يكفي؟!..
إننا-يا شكري-لا نستحقها(الحرية)إلا حين ندفع مهرها،وحين ندفع الثمن لا نعود نستحقها،فالحرية رهان خاسر على مستقبل البشرية،الذين يبشّرون بها هم الذين اعتادوا على غيابها،فلو تحقّقت بطل مبرّر وجودهم..
اسألوا -الشهداء-كم كتبوا إسمها سدى في كل مكان..
اسألوا الشهيد شكري بلعيد حين عانقها للمرّة الأخيرة،واسألوا سيزيف هل بوسعه الإنعتاق من لعنة الآلهة..اسألوا السجانين ونزلائهم عنها..
الحرية خيانة دائمة للذات،فمن يجرؤ على مخاصمة نفسه وزعزعة قناعاته والتخلّص من عاداته والتنازل عن إمتيازاته..؟ !
نعرف أنّ المقاومين يعيشون من أجلها،ولهذا فمصير معظمهم-الإستشهاد-وأنّ الفدائين يعطونها زهرة أعمارهم،لكنها لا ترتوي..
انظروا كتب التّاريخ،نعرف أنّه لا مفر من مواصلة سعينا،من دحرجة الصخرة نفسها على درب تسوياتنا اليومية وتنازلاتنا.
ولكن..
الحرية أمنية مشتهاة..هكذا قيل،ولكنّها أيضا مكلفة،هكذا أردت-يا شكري بلعيد-أن تقول،لكن يقال أنّ هناك من لمسها بيده في لحظة إشراق،هناك من لمس استحالتها،فقرّر أن يستشهد في سبيلها،عساها تكون،وحتما ستكون،وعليكم يا -أحرار العالم- أن تقولوا..لا..بملء الفم والعقل والقلب والدّم..وأن ترقوا بقراركم إلى منصّة الإستشهاد..وقطعا ستنتصرون..ذلك هو الممكن الوحيد..
-فالحرية صراع لا ينتهي.
-والإنتصار لدماء شكري بلعيد قضية مقدسة لن تنتهي ..
-كلمات- شكري بلعيد-ستظل دوما قادرة على اختراق سجوف الصمت،التحليق عاليا في الآقاصي ومن ثم إرباك الفاسدين والآفاقين..
-لم تسقط-برحيلك يا شكري-إرادة الثوريين..ولن تسقط..
-لم تنحني تونس ولا أبطالها.
-ولم ينته مسلسل الغدر والخيانة بعد،ولكنّه بالقطع سينتهي..
وفي النهاية،يظل شكري بلعيد ليس مجرد اسم في سجل الشهداء،بل هو استمرارية لتلك السلسلة الإنسانية المقدسة من المناضلين الذين اختاروا أن تكون حياتهم جسرا تعبر عليه الأجيال نحو الحرية.لقد أثبت أن الموت في سبيل المبدأ ليس نهاية،بل هو تحويل للوجود من كينونة فردية إلى رمز جماعي،من صوت واحد إلى صدى لا ينتهي. دماء شكري بلعيد الطاهرة،كما دماء كل الشهداء عبر التاريخ،ليست علامة على غياب الحرية بل هي الدليل على أنها لا تُمنح،بل تُنتزع،ولا تُوهب بل تُكتسب بالتضحية.
إن درسه الأعمق يكمن في أنه علمنا أن الحرية ليست غاية نهائية تُحقق ثم تُنسى،بل هي ممارسة يومية،ووعي دائم،ورفض مستمر لكل أشكال القهر.لقد تحول إلى ذلك “الضجيج الذي يزعج الضمائر”،وصار قصيدة مقاومة لا تُفك رموزها إلا بقلوب الأحرار.وفي زمن يحاول فيه الكثيرون طمس الذاكرة وتزييف الوعي،تبقى كلمات شكري بلعيد وشجاعته وإيمانه شمعة في عتمة الزمن، تذكرنا بأن طريق الحرية محفوف بالمخاطر،لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق السير فيه.
فكما أن الشهيد لم ينحن عندما واجه رصاص الغدر،فلا تنحني تونس ولا تنحني إرادة شعبها. مسلسل الغدر قد يستمر،لكنه محكوم عليه بالفشل أمام إرادة الحياة والكرامة.شكري بلعيد يعيش في كل صوت يرفض الظلم،وفي كل يد ترفع راية الحق،وفي كل ضمير لا يزال ينبض بالحرية. وهكذا تنتصر الحياة على الموت،وتنتصر الحرية على القيود،لأن دماء الشهداء ليست دماء تُسكب، بل هي بذور تُزرع،وحصادها مستقبل حرّ كريم.
لست احلم..
ولكنّه الإيمان،الأكثر دقّة في لحظات التاريخ السوداء،من حسابات حفاة الضمير وشذّاذ الآفاق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى