كتاب وشعراء

روث نرجسي …..بقلم بدوي الدقادوسي

بعد دقائق من انتشار الخبر لم يكن هناك موضع لقدم أمام بيت محمد باشا ؛تمتد الجموع حتى نهاية الشارع وعبارات الدهشة تنتقل من وجه لوجه ومن فم لفم : كيف انتحر؟ولماذا؟
الذي لم تسر كهرباء الدهشة في أوصاله هو أنا ! صديقه الوحيد وبنك أسراره . شاب يتقد ذكاءً؛ وجهه الأحمر وطوله الفارع وقامته المستقيمة منحوه وسامة جعلته موضع إعجاب الفتيان وحلم الفتيات ؛تخرج في كلية السياحة والفنادق بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف .
فور تخرجه تم اختياره للإشراف على (الشاليه) الخاص برجل الدولة الثاني ،والذي بدوره رشحه ليكون (اللبيس )الخاص بابن السيد رئيس الجمهورية ؛المحرك الفعلي لدفة سفينة الدولة ’بمباركة أمه التي تحكم قبضتها على مقاليد الأمور .
منذ هذا اليوم والقرية كلها تفاخر بابنها العظيم الذي نال شرفا تحلم به الملايين ؛تفنن الأهالي في الاحتفاء به ؛ينتظرون زيارته ؛ ليستقبلوه استقبال الفاتحين ؛في يد كل واحد طلب :هذا يريد تعيين ابنه وذاك يريد تأشيرة لينتقل بجوار محل إقامته ؛وتلك تقدم طلب صرف معاش لأيتامها وهؤلاء يريدون موافقة على علاجهم على نفقة الدولة .
بعد أشهر من تسلمه وظيفته المرموقة بدأ يذبل ويخفت نور وجهه حتى تحول لهيكل عظمي ؛شغلني حاله ! هذا الشاب البشوش الذي لا يكف عن المزاح واصطياد النوادر تحول لصنم تعلوه الأتربة في معبد مهجور ؛بالأمس فوجئت به يطرق بابي؛ أصررت على إدخاله وأصر على إخراجي لنسير في الهواء بعيدا عن جدران البيوت ؛ابتعدت القرية عنا واحتضنتنا نسمات الحقول وليل الصمت يلفنا ؛تسمر مكانه فجأة ؛ التفت قائلا :اليوم تقدمت باستقالتي للباشا فرفضها قائلا:من يدخل قصر الرئاسة لايخرج منه إلا محمولا على الأعناق ! لم أندهش من الرد قدر اندهاشي من الطلب! أي جنون هذا ؟كيف تفكر في الاستقالة من عمل يحلم به الملايين ؟
لم يجب ؛ثبت ناظريه بوجهي وانساب الدمع ؛باءت تكهناتي بالفشل ؛ليت شعري؟ما الذي يحمله على الاستقالة ؟عاود السير ملتحفا غطاء الصمت السميك حتى وصلنا لحظيرة صغيرة ينبعث منها ضوء خافت يتحرك تحته مُزارع ؛ تَبيْنا حين اقتربنا منه أنه يجمع روث بهائمه بكلتا يديه وزوجته تحملها في وعاء متهالك ثم تبطه بيديها لتجففه شمس الصباح فيصير وقودا تبيعها لأفران تخبز الأرغفة الجميلة ,مصمص شفتيه :ليت يدي في طهارة يد هذا المزارع وزوجته! خرّ جالسا في نهر الطريق فجلست .تنهد تنهيدة طويلة : ياااه حين وصلت القصر أول يوم ؛ظللت جالسا في الردهة المؤدية لجناح الباشا من الساعة الثامنة صباحا حتى الثانية ظهرا ؛وكل أمنيتي أن يمر بي إنسان أسأله متى سيأتي الباشا ؟ قبيل العصر جاءني ساع بوجه خشبي محفورة فيه ملامح كالحة ؛ قدم لي طبقا به حبات أرز وفوقها شريحة صغيرة من اللحم ,أنهيت أكلي لأبدأ رحلة السأم ؛ليتني أركض بلا عودة ؛ في التاسعة مساء عاد الساعي الخشبي الوجه برغيف(توست)وقطعة جبن مثلثة وانصرف ؛ليعود جسدي لثلاجة الانتظار ؛في الساعة العاشرة والنصف عاد ذو الوجه الخشبي ليقتادني لغرفة صغيرة وأغلق الباب خلفه ,لم أصدق عيني حين وجدت فراشا استلقيت فاتحا ذراعيّ وساقيّ لأقصى درجة انفراج , أين النوم الذي خيّل لي أنه سيلقاني بالأحضان ؟في الثامنة صباحا جاءني ذو الوجه الخشبي الكالح برغيف خبز وبيضة وقطعة جبن ؛رفع بصره نحوي : استعد لمقابلة الباشا بعد نصف ساعة , ياربي إنه يتكلم ! في الموعد اصطحبني شاب ضخم يغطي عينيه بنظارة شمسية سوداء رغم وجودنا داخل القصر ! وقفت بباب المكتب ريثما يبلغه الشاب بوجودي ؛أشار بالدخول ؛ظللت واقفا حتى انتهى من مهاتفته الطويلة التي تخللها الضحك والسخرية من أسماء رنانة بالدولة يذكرها بسخرية ممزوجة بكلمات نابية …هو ابن المره ال… فاكر نفسه إيه؟لازم أربيه.
رفع عينه نحوي : أهلا
-أهلا يافندم .
-عارف طبيعة شغلك هنا إيه ؟
-تقريبا يافندم
-مفيش حاجة اسمها تقريبا ؛كل شيء بالدقة هنا وليس بالتقريب .
– حاضر يا فندم . ناوَلني ورقة وأشار لي بالانصراف .
عدت لغرفتي سعيدا بما دب في حياتي من حركة ؛فتحت الورقة استلقيت على ظهري من الضحك ؛أفقت من الصدمة السعيدة وخررت ساجدا لله ؛راتب 40 ألف جنيه نظير ساعة عمل واحدة كل يوم ! من الساعة الثامنة صباحا حتى التاسعة صباحا ؛سأقوم بإعداد الحمام لسعادته واختيار زي خروجه اليوميّ .
رحت في نوم عميق ؛ترفرف فوقي أجنحة السعادة ؛استيقظت على َطرقات الرجل ذي الوجه الخشبي ؛وضع طبق مكرونة وقطعة دجاج وانصرف؛ تناولت طعامي الذي عرفت من نوعيته أنه وجبة الغذاء ؛عاودت النوم فور انتهائي من الأكل ؛أيقظتنى طَرقاتُه حين جاء بطعام العشاء ؛عدت للنوم ولكنه رفض أن يعود ؛لايوجد تلفاز ولاحتى قصاصة صحيفة والليل لايتحرك كأنه ليل النابغة الذبياني .
في السابعة تناولت فطوري وانطلقت للحمام ؛علّقت ملابس الباشا التي أعددتها قطعة قطعة بجوار (البانيو) ملأتُ الحوض ماءً فاترا وسكبت الشامبوهات مراعيا النسب التي طلبها ؛هممت بالخروج فور قدومه أشار بيده أن أغلق الباب وانتظر هنا .تجرد من ملابس نومه؛تمدد في( البانيو )مستلقيا على بطنه .بعد دقائق أشار لي بالاقتراب وقفت على بُعد خطوتين ،فأشار بالاقتراب أكثر وقال :ارتكز على ركبتيك واستند على حافة (البانيو )وقم بتدلك ساقي بما تراه أمامك ؛ لم أصدق عيني ! مستحيل !!أكاد أفرغ ما في جوفي .. قطع البراز تطفو سابحة حول جسده ،انقلب على ظهره أطلق ضحكة وقال:امسك بيدك قطعة وادعك بها ساقي ,ظننت أنه يختبرني ليرى مدى اتزاني انفعاليا ,ظللت أنظر إليه تارة وللروث تارة ؛صاح آمرا : انتهي ؛ليس لديّ وقت . يدي ترتعد ؛تتحرك رويدا رويدا باتجاه الروث ؛لم أعرف معنى كلمة الدعاء بحرقة من جوف الروح وسويداء القلب إلا هذه اللحظة ,, يا رب شل يدي ..يارب اقطعها ؛لست أدري كيف أمسكتُ بها وكيف دلّكت ساقيه؟وكيف سكبت كميات( الشامبو)؟ فور انتهائي من التدليك ؛ناولته ثيابه وتأكدت من إحكام رابطة العنق . وانطلقت لغرفتي ؛عافت نفسي الطعام طوال اليوم؛ رحت في غفوة أشبه بالغيبوبة ؛حتى صباح اليوم التالي ليتكرر اختبار الموت والتقزز؛ وكلما انتهيت تمنيت لو أثقب الجدران وأهرب أو يسخطني المولى لذبابة تطير من فُرَج النافذة ,كيف أهرب وأين؟
ربَتُ على كتفه محاولا سحب كلمة من هوة مشاعري التي مزق أوصالها تقززي ولكني عجزت ؛عدنا للقرية ؛يغشانا ليل الصمت ؛لم أتركه حتى اطمأننتُ عليه في فراشه ؛ حين استيقظت وجاءني خبر انتحاره ؛صليت ركعتين شكر لله أن فك أسر صديقي بالموت .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى