
قراءة سريعة
مقدمة: سؤال الحكم في العراق
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظل سؤال الهوية والحكم يشكل تحديًا أساسيًا في بناء مؤسسات الدولة. بين المدنية والقبلية، بين المواطنة والانتماءات ما قبل الوطنية، يتأرجح النظام السياسي العراقي في محاولة لإرساء قواعد الحكم الدستوري المدني. لكن قراءة متأنية للتاريخ السياسي العراقي تشير إلى أن عقلية القبيلة والعشائرية ظلت مؤثرة بعمق، متجاوزة الأنظمة والتحولات السياسية الكبرى.
الجذور التاريخية: من العهد الملكي إلى جمهورية 1958
على الرغم من أن نظام الحكم في العهد الملكي (1921-1958) حاول بناء دولة مؤسسات حديثة، إلا أن البنى العشائرية والقبلية ظلت حاضرة في الخلفية. الزعامات العشائرية الكبيرة كانت دعامة للنظام الملكي، وكانت تمثل في البرلمان، وتؤثر في صناعة القرار المحلي والإقليمي.
مع انقلاب 14 تموز 1958، أطاح عبد الكريم قاسم بالملكية وأعلن الجمهورية، لكن النزعات العشائرية لم تختفِ. فالحكم العسكري الجديد اعتمد على تحالفات قبلية وعشائرية في مواجهة خصومه. وقد شهدت الفترة اللاحقة تعاقب أنظمة استمدت شرعيتها من القوة العسكرية، لكنها استندت في بقائها على شبكات محلية وقبلية.
ما بعد 2003: الدستور المدني والواقع العشائري
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، صدر دستور دائم عام 2005 نصَّ على دولة مدنية ديمقراطية اتحادية. لكن الممارسة السياسية كشفت عن فجوة كبيرة بين النص الدستوري والواقع السياسي.
أدلة على استمرار العقلية العشائرية:
1. تكوين الحكومات المتعاقبة: منذ 2005، تشكلت الحكومات بناءً على المحاصصة الطائفية والإثنية، والتي تعيد إنتاج الانتماءات العشائرية والمناطقية في صيغة حديثة. فالمناصب الوزارية والمواقع السيادية توزع غالبًا وفق معادلات تضمن تمثيل الكيانات الكبيرة، والتي غالبًا ما تكون امتدادًا للكيانات العشائرية التقليدية.
2. النخب السياسية: معظم القادة السياسيين البارزين بعد 2003 ينتمون إلى عائلات أو عشائر ذات نفوذ تقليدي. فالكثير من الزعامات السياسية الجديدة هي في الواقع امتداد لزعامات عشائرية قديمة، استخدمت الأدوات الحديثة (الأحزاب، الانتخابات، الإعلام) لتعزيز مواقعها التقليدية.
3. الانتخابات البرلمانية: رغم المظاهر الديمقراطية، فإن الأنماط الانتخابية تشير إلى هيمنة العامل العشائري. فالكثير من المرشحين يعتمدون في حملاتهم الانتخابية على دعم عشائرهم ومناطقهم، والناخبون غالبًا ما يصوتون بناءً على الانتماء العشائري أو المناطقي لا على البرامج السياسية.
4. العلاقة بين السلطة المركزية والمحافظات: تعاني العلاقة بين المركز والأطراف من هيمنة النزعات المناطقية، حيث تتحول المحافظات إلى إقطاعيات سياسية تحت سيطرة عائلات أو عشائر بعينها.
المليشيات والسلاح: تجسيد حديث للولاءات ما قبل الوطنية
أحد أبرز تجليات استمرار العقلية العشائرية هو ظاهرة المليشيات المسلحة خارج إطار الدولة. هذه المليشيات، رغم اختلاف تسمياتها ومرجعياتها، غالبًا ما تعكس انتماءات قبلية وعشائرية ومناطقية. السلاح المنفلت أصبح أداة لحماية المصالح الفئوية الضيقة، مما يقوض احتكار الدولة للعنف الشرعي، ويمنع قيام دولة القانون.
المحسوبية والفساد: الآلية التنفيذية للنظام العشائري
النظام العشائري في الحكم يعتمد على آليات المحسوبية والولاء، حيث يتم توزيع المنافع والوظائف العامة بناءً على الانتماء وليس الكفاءة. هذه الآلية تنتج فسادًا ممنهجًا يقوض قدرة الدولة على تقديم الخدمات، ويدمر الاقتصاد الوطني، ويفقر المواطن العادي.
الخاتمة: هل من أمل لدولة مدنية؟
الخروج من هذا المأزق التاريخي يتطلب:
1. تغيير ثقافي مجتمعي يضع المواطنة فوق الانتماءات الضيقة.
2. إصلاح نظامي حقيقي يضمن فصل السلطات واستقلال القضاء.
3. نزع سلاح المليشيات وإعادة احتكار الدولة للقوة الشرعية.
4. إصلاح التعليم لتعزيز قيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية.
5. تطوير النظام الانتخابي لكسر الاحتكارات العشائرية والمناطقية.
تاريخ العراق يشهد على قدرة شعبها على تجاوز المحن، لكن بناء دولة القانون والمؤسسات يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، ومشروع وطني جامع، ووعي مجتمعي يرفض استمرار هيمنة العقلية العشائرية على حساب الدولة المدنية الدستورية.
—
هذا المقال يحاول تحليل ظاهرة سياسية-اجتماعية بعمق تاريخي، وليس توجيه اتهامات لأفراد أو جماعات بعينها. النقد موجه للظاهرة والنظام، وليس للأشخاص. بناء دولة القانون والمؤسسات يبقى الهدف الذي يجب أن يجمع كل العراقيين.