
الانهيار الكبير : اليوان الذهبي القنبلة النووية الاقتصادية
ميخائيل عوض / لبنان
نحن لا نقف أمام أزمة عابرة ولا أمام دورة اقتصادية اعتيادية من صعود وهبوط، بل أمام زمن الانهيار الكبير؛ زمن تتفكك فيه القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتتهاوى فيه مسلّمات القوة والهيمنة والعملة والردع هذه القراءة ليست توصيفًا إعلاميًا أو انفعالًا سياسيًا، بل محاولة لبناء إطار تفسير شامل لفوضى عالمية دخلت طور المخاض، حيث تتقاطع السياسة بالحرب، والاقتصاد بالعملة، والذهب بالتكنولوجيا، والدولة بالمنظومات العابرة للحدود.
*أولًا: المشهد السياسي – من التسخين إلى التبريد المشروط*
1. *مفاوضات إيران – الولايات المتحدة: ميزان قوى لا أوهام*
من واقعة بدت للوهلة الأولى تحبس الأنفاس، تسريبات إعلامية عن تعطيل المفاوضات الإيرانية–الأميركية بعد زيارة ويتكوف إلى كيان الاحتلال. لكنه يضعها فورًا في سياقها الحقيقي اختبار ميزان القوى.
اللافت ليس التسريب، بل سرعة احتوائه، ثم عودة واشنطن لقبول الشروط الإيرانية، بما فيها مكان التفاوض وآلياته. هذا السلوك، المدعوم بتصريحات من نائب الرئيس الأميركي ومنصات مثل Axios، يكشف إقرارًا أميركيًا ضمنيًا بأن إيران ليست دولة يمكن إدارتها بعقلية الإملاء أو الصفقات السريعة.
العقدة هنا ليست تقنية بل بنيوية فالقرار في إيران ليس فرديًا، ولا آنّيًا، بل نتاج منظومة دستورية–عقائدية، ما يجعل أي مقارنة مع دول أو أنظمة أخرى إسقاطًا مضللًا. هذا الإقرار الأميركي بحد ذاته مؤشر تحوّل.
2. *البيئة الإقليمية: دول تطلب التفاوض لا الحرب*
المؤشر الأخطر – والأهم – هو الحديث عن طلب تسع دول عربية وإسلامية من واشنطن الاستمرار في التفاوض مع إيران. هذا يعني أن البيئة التي كان نتنياهو وترامب يعتمدان عليها لفرض مناخ حرب لم تعد حاضنة، بل باتت مُعيقة.
هنا نسجّل نقطة استراتيجية نحن أمام تحوّل في نتيجة كلفة الحرب وتآكل القدرة الأميركية على الضبط والحسم.
3. *ساحات الاشتباك البديلة: سوريا ولبنان والعراق*
التبريد بين واشنطن وطهران لا يعني نهاية الحرب، بل إعادة توزيع ساحاتها. من هنا يأتي التحذير من محاولات إعادة توظيف الجماعات المسلحة في سوريا ولبنان والعراق، بإدارة أميركية جديدة أو مجدّدة (دور توماس باراك مثالًا).
التفاوض هنا يصبح أحد فروع الحرب، لا نقيضها.
*ثانيًا: نحن في حرب عالمية كبرى…*
1. *تعريف الحرب الجديدة*
إنها حرب عالمية شاملة غير مسبوقة، تشارك فيها كل الدول، لكن بأدوات غير تقليدية تجعل الكثير غير منتبه أنها جارية فالحرب اليوم عبر إبادة وتوحش واعتداء على سيادة الدول. كما تظهر على شكل حرب تجارية،حرب مالية،حرب عملات، حرب سلاسل توريد،حرب معلومات،حرب تكنولوجيا وذكاء اصطناعي
هذه الحرب لا تحتاج إلى أسلحة عابرة للحدود، بل إلى قرارات مصرفية، وعقوبات، ومنصات رقمية، وقيود على التبادل.
2. *الفوضى كمرحلة انتقالية*
إن ما نعيشه ليس فوضى عبثية، بل فوضى المخاض. تبدّل الولاءات، تفكك التكتلات التاريخية، بحث أوروبا عن قنوات مع روسيا، انفتاح كندا على الصين، اتفاقات تجارة عابرة للمحاور… كلها مؤشرات على أن العالم يبحث عن شكل جديد، قد يكون متعدد الرؤوس، لا قطبًا واحدًا.
*ثالثًا: الاقتصاد… حيث يقع الزلزال الحقيقي*
1. *اضطراب الذهب والعملات المشفّرة*
فالتقلّبات الحادة في أسعار الذهب والعملات الرقمية وحالة اللايقين البنيوي. الذهب الملاذ الآمن تعمل المنظومة المصرفية الحاكمة عالميا على إفقاده صفة أن يكون ملاذًا هادئًا ، بل صار مرآة قلق عالمي. الصعود الحاد ثم الهبوط السريع ليسا حركة طبيعية، بل تعبير عن فوضى عميقة لا حركة حقيقية في أسعار الذهب ومما يؤشر إلى هذا أنه وللمرة الأولى وبصورة لم يلاحظها الكثير نشهد هبوطا” في سعر الدولار متلازما” مع هبوط سعر الذهب وهذا عكس الحركة الاقتصادية الطبيعية التي يتحرك فيها سعر كل منهما بصورة عكسيه مع الآخر ما يدلل قطعا” أن التلاعب بسعر الذهب مقصود وتدخلي لا حقيقي.
أما العملات المشفّرة، وعلى رأسها البيتكوين، فهي أكثر هشاشة في هذا السياق، لأنها بلا غطاء مادي ولا سياسي مستقر.
2. *أصل الأزمة: الدين وطباعة المال*
جوهر الانهيار، هو تضخّم المديونية مقابل طباعة عملة بلا تغطية ذهب، لاسلع استراتيجية، لا قدرة إنتاجية مهيمنة.
ما كان ممكنًا بعد 2008 بفضل الهيمنة الأميركية لم يعد ممكنًا اليوم.
*رابعًا: القنبلة النووية الاقتصادية – اليوان الرقمي المقوّم بالذهب*
1. *لماذا هذا التحول خطير؟*
إعلان الصين وروسيا (ومعها البريكس) عن يوان رقمي مسنود بالذهب ليس خطوة تقنية، بل ضربة في صميم النظام النقدي العالمي.
للمرة الأولى منذ 1971 (إلغاء بريتون وودز)، ويظهر بديل عملة رقمية لكنها مغطاة بقيمة مادية حقيقية وآمنة مما يعيدنا للمشهد في الستينات عندما كان الدولار مغطى بقيمة الذهب.
2. *ما الذي يتغيّر؟*
ما يحصل هو انتقال تدريجي للاحتياطات من الدولار واليورو،
تآكل دور SWIFT ،إعادة تسعير التجارة العالمية، نهاية احتكار الدولار كخازن قيمة
هذه ليست ثورة فورية، لكنها تحول تراكمي تفجيري.
3. *العامل الصيني: الثقة الحضارية*
يضيف بعدًا ثقافيًا–حضاريًا فالصين لا تملك تاريخ نهب مالي عالمي، ولا ثقافة عربدة نقدية. هذا يعزّز الثقة بها كحاضنة للقيمة، خصوصًا لدى النخب الاقتصادية الباحثة عن الاستقرار.
*خامسًا: ماذا يعني الانهيار الكبير؟*
1. *ليس سؤال “متى” فقط*
الانهيار ليس حدثًا واحدًا، بل مسار. قد يقع فجأة، وقد يتدحرج. المهم أن نعي أننا في زمنه، لا قبله ولا بعده.
2. *من ينجو؟*
ينجو من يفهم المؤشرات، يخفّف انكشافه النقدي، لا ينجرف خلف الذعر، و يدير المخاطر لا الأوهام.
إنه تحذير استراتيجي فالنظام الذي نعرفه ينهار، والعملات التي اعتُبرت مقدّسة تُختبر، والهيمنة التي بدت أبدية تتآكل.
القنبلة النووية الاقتصادية لم تنفجر بعد بكامل قوتها، لكنها وُضعت في قلب النظام. وما بعد وضعها لن يشبه ما قبله.
نحن في زمن الانهيار الكبير… ومن لا ينتبه، قد يكون من ضحاياه.
🖋 ميخائيل عوض