كتاب وشعراء

تلك الشفاه المنتفخة….بقلم أحمد بشير العيلة

طوال عمري، عشتُ شاعراً يعشق الجمال، أتلمسه في كل تفاصيل المشاهد اليومية، بكل ما أراه من عوالم؛ سواءً كانت صغيرة كحبة ندى على غصن، أو كبيرة كصفحة نجومٍ في سماء ليلة صحراوية، أرقبُ كيفَ ينسابُ الضوءُ على صفحةِ خدٍّ في الغروبِ، وكيفَ ينحني ساق زهرةٍ يستجدي المطر، ومع اتساع مشاعري وتمازجها بالمعرفة في دراسة الفيزياء، ومن ثم فلسفتها، تيقنتُ أنَّ للجمال قانوناً كونيًّا صارماً، بدهيًّا لا يحتاجُ برهاناً، كالنسيمِ الذي يأتي دونَ دعوةٍ، وكالعطرِ الذي يفوحُ من الأرضِ بعدَ المطرِ.
وأدركت مبكراً عند اتقاد مشاعري أن لوجه المرأة جمالياتٍ يسجد الجمال نفسه له، فالوجه ينطق بروح الأنوثة الساكنة في روح المرأة، وقد انعكست تلك الروح الشفيفة على العينين والشفتين والخدين، وكل التفاصيل المتوافقة وفق إعجازٍ إلهي يعشق الجمال.
لكنِّي اليومَ أرجع من مشاهدي بخسائر لا حصر لها، بل إني أشهدُ اغتيالاً علنيّاً للجمالِ، لقد آذتني الشفاه المنتفخة الموسومة بقوالب ثابتة على وجوه معظم النساء المغيبات تماماً عن معنى الجمال الحقيقي، تلك الشفاه تحوَّلت إلى كائناتٍ غريبةٍ، مُنتفخةٍ، ثقيلةٍ، عاجزةٍ عن النطقِ بلغةِ المشاعرِ الأصيلةِ. صارتْ كتلكَ الزهور البلاستيكيّة في محال الزينة، مُتقَنة في صنعتها، باهرةٌ في ألوانها، لكنّها خاويةٌ من عطرِ الحياةِ، ومع زيادة الامتعاض داخلي، احتاج الأمر مني مزيداً من التعمق الفكري في تلك الظاهرة الاجتماعية المعاصرة، لكي أرتاح قليلاً بالمعرفة. وسأحاول هنا استكشاف ظاهرة “الشفاه المرعبة” من منظور استطيقي (جمالي) وفلسفي، متسائلاً عن حدود الجمال الطبيعي والاصطناعي.
ففي عصر الصورة الرقمية والاعتماد المتزايد على المظهر الخارجي، أصبحت العمليات التجميلية مثل شفاه السيلكون ظاهرة ثقافية وجمالية تستحق التأمل، فأول ما يتبادر إلى ذهني هو الإرادة في التحول من الطبيعي إلى الاصطناعي، في خيانة فاضحة للذات، في عصرٍ تمكّن فيه الإنسان من صناعة أي شيء، فكل ما يخطر على بالك قد صار قابلاً للتصنيع، بما فيه الجمال الوجه، في تحول مخيف من البصمة الإلهيّة التي هي (أنتِ، لا سواكِ)، إلى نمط تجاري عام يعمل على محو السيرة الطبيعية للوجه تحايلاً على طبيعة تفاعله مع الزمن.
إن هذه الخيانة قد زيفت الصدق الكامن في الجمال، وصارت هذه الشفاهُ المُنتفخةُ كذبةً ملموسة، بل محاولةً يائسةً لصنعِ الوهم.
لقد ساعد التأثير الرقمي للتطبيقات الاجتماعية مثل إنستجرام وفلاتر السناب شات في إعادة تشكيل التوقعات الجمالية، مما خلق معايير غير واقعية، فهذا الوحش الرقميّ الجديد، الذي يُعيد تشكيلَ الأذواق بقسوة خوارزميّاتِهِ الباردة، ويصنع من كلّ وجهٍ مرآةً تعكس وجهَهُ هو. إن هذه الرقمية تبيع الوهمَ باسم الثقة، وتُقدِّمُ القالبَ على حساب المَلَكة، وتجعُ من الجسدِ سلعةً قابلةً للتعديلِ، بدلَ أن تكونَ وديعةً تستحقُّ التقديس.
ومن الالتفاتات التي تستحق التوقف، أن ظاهرة الشفاه المنتفخة بالسيلكون، قد حطمت سراً من أسرار الجماليات الحضارية المتمثلة في التنوع، فقد عملت قوالب السيلكون على توحيد الملامح عبر الثقافات والأعمار. حيث تحمل كل ملامح سحرها الخاص ورواية مختلفة على الوجه. أما الآن، فكثير من الوجوه تروي نفس القصة البلاستيكية، في تناقض صارخ مع إيقاع الكون الأزلي الذي يقوم على الاختلاف والتطور.
لقد صار وجه المرأة منتفخة الشفاه صراخاً بصرياً لا يمكنني الالتفات له، إلا بهزة صادمة داخلي تستمرئ هذا الانفصام عن الطبيعة، فهذا الوجه المشوه مختل مرعب صادم غريب كارثي مقولب صناعي تجاري موسومٌ بالوهم، مفصولٌ عن التناغم الطبيعي، وهنا قد فقد كل طريقٍ ممكنة لقصيدة وُئِدت قبل أن تولد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى