رؤي ومقالات

محمد المحسن يكتب :اغتيال سيف الإسلام القذافي: اغتيال رمز وإغلاق باب..في مسار ليبيا المتعثر

تمر ليبيا،منذ أكثر من عقد،في متاهة معقدة من العنف والانقسام،حيث تتنازع القوى المحلية والإقليمية والدولية على مصيرها،وسط غياب تام للإرادة الوطنية الجامعة.في خضم هذا المشهد الكابوسي،يأتي اغتيال سيف الإسلام القذافي ليس كحادث فردي عابر،بل كزلزال سياسي يهز الأسس الهشة لأي أمل متبق في استقرار وشيك. إنه حدث لا يُختزل في الجريمة بحد ذاتها،بقدر ما هو علامة فارقة دامغة،تشير إلى انزياح المسار السياسي الليبي نحو منطقة مجهولة أكثر قتامة وانغلاقا.فليبيا اليوم،وقد تجاوزت مرحلة الصراع على السلطة إلى حالة من التمزق الوجودي،حيث تتصارع مشاريع دول وتتناحر حكومات وتتداعى مؤسسات.
في هذا السياق،يكتفي الرحيل القسري لابن الزعيم السابق،الذي ظل حتى لحظة اغتياله حلما أو كابوسا يخيم على المخيلة السياسية الليبية، من أهمية رمزية هائلة.فهو لم يكن مجرد شخصية مثيرة للجدل،بل كان يشكل في وعي قطاع واسع من الليبيين أحد “المفاتيح” الممكنة،ولو المرفوضة من قبل آخرين،لفك طلاسم الأزمة.لذا،فإن اغتياله ليس إزاحة لخصم سياسي فحسب،بل هو إسقاط مأساوي لإحدى آخر الاحتمالات التاريخية المواربة،ودفن لأي وهم بإمكانية استيعاب مكون رئيسي من ماضي البلاد المضطرب في أي تسوية وطنية عريضة،مهما كانت هشاشتها.إنه الفصل الأخير من سردية كانت لا تزال مفتوحة،يُغلق بقسوة ليترك البلاد أمام واقع أكثر تجريدا من أي جسر توافقي محتمل.
على هذا الأساس،يشكّل رحيل سيف الإسلام القذافي اغتيالا،منعطفا خطيرا ومحزنا في المسار الليبي المتعثر،ليس لأنه مجرد حدث إجرامي فردي،بل لأنه يرمز بشكل قاس إلى انغلاق أحد الأبواب التاريخية التي كانت لا تزال مواربة نحو احتمالات مصالحة وطنية،ولو كانت هشّة ومعقدة.ويحدث هذا في لحظة بالغة الهشاشة،حيث يبدو المشهد الليبي أكثر تشظيا من أي وقت مضى،مع تفاقم الانقسامات السياسية والمؤسسية والاجتماعية في غياب أي إطار موحد حقيقي.
لقد مثّل رحيله إسقاطا نهائيا لأي وهم قصير الأمد بإمكانية لمّ شمل رموز الماضي ضمن أي تسوية وطنية عريضة،مدفوعا بأمل أو حتى بحنين إلى استقرار سابق.
كان لسيف الإسلام،رغم ماضيه المثير للجدل وارتباطه بالنظام السابق،حضورا رمزيا فريدا في المعادلة الليبية.فقد تجسّد بالنسبة لكثيرين تيارا “إصلاحياً” أو “واقعياً” داخل دوائر أنصار النظام السابق،وبالنسبة لآخرين من المحبطين من أداء الطبقة السياسية الحالية،كان يمثل خيارا ثالثا أو عاملا موازنا بين حكومتي الشرق والغرب المتنافستين.وأظهرت استطلاعات الرأي سابقا، كالذي أجري عام 2022 حيث حصل على ثقة 45% مقارنة بـ39% لرئيس الحكومة المعترف بها دوليا آنذاك،أنه حظي بقاعدة اجتماعية لا يستهان بها،تركزت في أوساط بعض القبائل في الجنوب والغرب،وجذبتها وعوده باستعادة هيبة الدولة أو مجرد رفضها الواضح للواقع السياسي الفاشل.كما شكل ترشحه المحتمل للانتخابات الرئاسية المتعثرة عاملا مقلقا لأطراف كثيرة،جاعلا من رحيله إلغاء لعنصر إرباك كبير،لكنه أيضا إزاحة لعامل كان يمكن أن يكون جسرا نحو قطاع واسع من الليبيين المترددين أو المنعزلين.
تأتي تداعيات هذا الاغتيال لتعمّق جراح المشهد المتشظي أصلا.فسياسيا،يختفي أحد الرموز القلائل الذي كان بإمكانه،نظريا،لعب دور حاضن لتحالف وسطي،ليتحول الصراع من معادلة ثلاثية الأبعاد إلى صراع ثنائي أكثر استقطابا وحدة بين شرق البلاد وغربها،مما يزيد من حدة التنافس لملء الفراغ الهائل الذي تركه.كما يلقي هذا الحدث بظلال قاتمة على المسار الانتخابي المتعثر أساسا، حيث يحذّر محللون من أن العملية السياسية قد تشهد “تباطؤا مؤكدا” بل وقد تعود إلى الوراء 14 عاما إلى لحظة بدء الحرب الأهلية،خاصة في ظل الانقسام الحاد داخل المؤسسة القضائية بين المحكمة العليا في طرابلس والمحكمة الدستورية في بنغازي،مما يجعل أي انتخابات مقبلة تفتقر إلى الإشراف القضائي الموحد والمستقل،وبالتالي تفقد شرعيتها مقدَّما وتصبح عامل انفجار بدلا من أن تكون حلا..!
على الصعيد الدولي،يمثل الاغتيال ضربة أخرى للمبادرات الخارجية،ولا سيما مسار الأمم المتحدة الذي أنتج حكومة الوحدة الوطنية المنقسمة داخليا والعاجزة عن قيادة البلاد إلى انتخابات. يختفي مع سيف الإسلام لاعب كان يجب أخذ حسابه في أي معادلة تفاوضية جديدة،كما أن غموض هوية القتلة ودوافعهم،وما إذا كانت مرتبطة بتضارب المصالح الإقليمية والدولية المعقدة (مصر،الإمارات،تركيا،روسيا) التي تدعم أطرافا متباينة،يزيد الأزمة تعقيدا ويدفع نحو مزيد من الجمود أو حتى الانفجار.
في المشهد ما بعد الاغتيال،تبرز سيناريوهات متشائمة تطغى على أي بوادر أمل.فالسيناريو الأكثر ترجيحا على المدى القصير هو سيناريو الفوضى والعنف الانتقامي،خاصة إذا لم تُكشف هوية القتلة،مما قد يؤدي إلى موجات عنف في مناطق دعم سيف الإسلام ويهدد الهدنة الهشة. كما أن هذا الرحيل يعمّق الانقسام المؤسسي، ويجعل مشهد “دولتين وحكومتين” أكثر رسوخا، حيث يصبح إجراء انتخابات ذات مصداقية أقرب إلى المستحيل في ظل تصاعد الصراع بين مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في الغرب حول تشكيل مفوضية الانتخابات.
على المستوى الاجتماعي،قد يتحول الاغتيال إلى رمز للظلم أو الاستهداف الممنهج،مما يغذي الاستياء والعزلة لدى أنصار النظام السابق وبعض القبائل،ويعمّق الشرخ الاجتماعي بدلا من مد جسور المصالحة.
في الخلاصة،لم يكن رحيل سيف الإسلام مجرد نهاية لشخصية،بل كان إعلانا عن إغلاق باب تاريخي وإمكانية سياسية،في وقت لا توجد فيه أطر بديلة قادرة على لم الشمل.ويدفع هذا الحدث ليبيا نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تطول،حيث يغيب الإطار السياسي الموحد وتتعمق الانقسامات المؤسسية وتتصارع الأجندات الإقليمية.والتحدي الأكبر الآن-في تقديري-هو ما إذا كان الفراغ السياسي والاجتماعي العميق الذي خلّفه سيدفع النخب الليبية المتناحرة نحو إعادة نظر جذرية في مقارباتها،أم سيكون ذريعة لمزيد من التشبث بالمواقع والتوجس،مما يطيل أمد النفق السياسي المظلم ويجعل فكرة الخروج منه هدفا بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى.
وهكذا،تخرج ليبيا من تحت أنقاض هذه الجريمة السياسية وهي أكثر ضياعا وتمزقا.لقد حوّل الاغتيال “الاحتمال” إلى “ذكريات” و”الخيار” إلى “أسطورة”،فيما الواقع لا يزال عاجزا عن إنتاج أي بديل مقنع.إن الإطار الذي رسمته اتفاقيات سياسية مهترئة،تحت ظل الأمم المتحدة،يبدو الآن أكثر خواء من ذي قبل،بعد أن أزيل منه واحد من أبرز عناصر التوتر والإمكانية معا.والأمل الوحيد،ولو كان ضئيلا،الذي قد ينتج عن هذه المأساة،هو أن تدرك الأطراف الليبية المتحاربة، والإقليمية الداعمة لها،حجم الفراغ الكارثي الذي أوجدته هذه العملية.فقد أصبحت البلاد على حافة هوة،حيث لا يوجد حتى “العدو المشترك” أو “الرمز المخلوع” ليجمع المختلفين في موقف واحد،حتى لو كان سلبيا.والتحدي المصيري الذي يواجه الليبيين الآن يتجاوز مسألة تسمية حكومة أو تحديد موعد انتخابات،إنه تحدي في الفلسفة السياسية ذاتها: هل يمكن بناء مستقبل مشترك على أنقاض ماضي لم يُتفق على قراءته،وعلى حاضر يُنكر فيه جزء من الشعب شرعية الآخر؟!
أم أن الاغتيال الأخير هو القشة التي قصمت ظهر أي حلم بوطن موحد،لتدفع بليبيا نحو مصير التقسيم الدائم أو الفوضى المزمنة؟
الجواب لا تحمله تصريحات السياسيين،بل ستحمله شوارع المدن الليبية وساحات القتال فيها في الأشهر القادمة.لكن ما هو مؤكد،أن ليبيا دخلت،بموت سيف الإسلام،مرحلة ما بعد الرمز الأخير الذي كان يربطها،ولو بشكل معقد ومتناقض،بماضيها الثوري-السلطوي الموحد.
وها هي الآن تقف،أكثر من أي وقت،أمام مجهولها الخالص،حيث لا ماضي جامع،ولا حاضر مستقر، ولا مستقبل مُتّفق عليه.إنها لحظة تحدد مصير جيل بأكمله،في بلد لم يعد يعرف أين تبدأ جريمة الحرب،وأين تنتهي جريمة الاغتيال السياسي..!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى